لأجلها بقلم امل نصر الفصل السادس والستون

الفصل السادس والستون
بخطواتٍ شابتها العجلة، كانت اعتماد تهبط الدرج الرخامي العريض، يسبقها ضجيج صغير لخطوات ابنتي زوجها، “منة” و”جنا”، بملابس المدرسة التي ترتديانها بأناقة لا تقل عنها. كانت قد استيقظت اليوم باكراً، ولم تستسلم لتعب الحمل المزمن؛ فبدت ملامحها تعكس ثقةً وإصراراً، لكنهما تبخرا في لحظة خاطفة فور أن اصطدمت حواسها برائحة الطعام الشهي وخبز الإفطار الساخن الذي كان يزين المائدة.
تجدد معها شعور الذنب الذي ينهش ثباتها وهي تنتبه إلى الحركة القادمة من المطبخ في الطابق السفلي؛ حيث كانت إحدى حفيدات حسنية تتحرك بنشاط، تضع الأطباق بهمةٍ عالية، وكأنها تعلن بصمت عن سد الفراغ الذي تركته “كَنّة” البيت العاملة.
التفتت اعتماد نحو زوجها خليفة الذي كان يسير بمحاذاتها يربط ساعة يده، فجذبت طرف كمه بخفة، وقالت بنبرة منكسرة يملؤها الهمس والخجل:
— “يا مري يا خليفة، أوري وشي لأمك إزاي دلوك؟ ولا بنت أختك البنت اللي جاية من النجمة تقف في المطبخ وتجهز الفطار، وأنا اللي عايشة معاها في البيت نازلة على شغلي وإيدي فاضية!”
تابعت وهي تشيح بنظرها عنه بأسى:
— “الكسوف واكلني منها.. أنا قصرت وتنحت لدرجة خلت الولية تضطر إنها تجيب حفيدتها عشان تسندها وأنا موجودة.”
أهداها خليفة ابتسامة مطمئنة تهدئ من روعها قائلاً:
— “ما تبقيش عبيطة يا اعتماد، بت أختي وجاية تخدم جدتها، حاجة مش غريبة ولا جديدة. أمي عارفة بالظرف اللي إنتي فيه ومش محتاج شرح، وهمي ياللا خلينا ننزل، البنات سبقونا على تحت.”
ختم كلامه وهو يسحبها من يدها ليجبرها على التحرك وإخماد ترددها، بيد أن عقلها كان مشحوناً بصراع لا ينتهي بين رغبتها في الالتزام بطموحها المهني، وبين حرصها على عدم التقصير في خدمة المرأة الجميلة “حسنية”، التي كانت تخجلها في كل مرة برقتها ورقيها؛ تماماً كما يحدث الآن وهي تتلقاهما بابتسامتها العذبة بعدما قبلت الصغيرتين وأجلستهما إلى طاولة الإفطار.
هتفت حسنية بحفاوة:
— “يا صباح النور على البنور، ياللا يا خليفة، ياللا يا اعتماد همي إنتي كمان عشان تفطري وتحصلي شغلك، هنية بت بتي عاملة فطار ملوكي؛ فول بالسمنة البلدي حاجة كدة تستاهل خشمك وتغذي النونو اللي جاي.”
أمام رقتها المتناهية، لم تجد اعتماد سوى التعبير عن امتنانها عملياً؛ فاقتربت منها ترفع كفها وتقبله قائلة:

