لأجلها بقلم امل نصر الفصل الخامس والستون

الفصل الخامس والستون

“في غرفة والديها بالمنزل القديم المتهالك، كانت تحتضن الصغير، وقد لاذت بدفء الفراش رغم خشونته، واستسلمت لغمرة الجسد الغضّ ونعومة الكفّين وهما تلامسان وجنتيها؛ تتأرجحُ في خدرٍ لذيذ ما بين غفوٍ واستيقاظ.”

لكن أصواتاً متواترة بدأت تطرق مسمعها، تصاعدت حدّتها شيئاً فشيئاً لتنتزعها من ذلك الشعور؛ فغضنت جبهتها بعبوس وهي تجبر نفسها على مفارقة السكينة. اعتدلت بجذعها في مشقة، يرافقها ألمٌ ينهش كل حركة مع اقتراب موعد ولادتها المنشود؛ إذ لم تعد تفصلها عنه سوى أسابيع معدودة. كم تمنت لو استسلمت لنداء جسدها المثقل بالراحة، بيد أن ما يتردد في الأرجاء كان ينذر بكارثةٍ وشيكة.”

“ـ اتلمّي يا ليلى بدل ما ألمّك!
ـ طب وريني هتلمني إزاي يا معاذ؟
استغرق الأمر منها وقتاً مضنياً؛ من مشقة الهبوط عن التخت وحمل الصغير، وصولاً إلى خروجها من المنزل تفتش بعينيها عن مصدر الضجيج، حتى اهتدت إلى الجهة الخلفية حيث شجرة التين. هناك، كانت المشاجرة قد بلغت ذروتها بين ابنتها العنيدة وزوجها الذي بدا كمرجلٍ يغلي.
ـ يا ليلى ما تعصبينيش.. أنا على آخري أصلاً!
ـ يا عم هو حد جه جنبك؟ ابعد عن وشي أحسن لك.. اقصر الشر.
ـ أنا برضه اللي أقصر الشر؟ ولا إنتي اللي مصممة تخليني أرتكب جريمة؟
ـ بــــــــس!
هتفت بها «مزيونة» وهي تقتحم بجسدها المثقل
المساحة الضيقة بينهما، تنهرهما بنزق:
ـ على الصبح كدا شابكين في بعض زي الديوك؟ طب راعوا منظركم لو حد معدي وشافكم.. ساعتها هيقول عليكم إيه بذمتكم؟”
“كادت ليلى أن تنفجر شاكية، لكنّ الكلمات انحشرت في حلقها حين رأت زوجها ينتشل طفله من بين ذراعي والدتها بلهفة، وكأنه كان غائباً عنه لسنوات. في لحظة خاطفة، تبدل صراخه إلى حنان جارف وهو يقدم اعتذاراً خجلاً إلى مزيونة:
ـ يا قلب أبوك أنت! سامحيني يا خالة مزيونة قلقلناكي، بس أنا والله ما ذنبي.
عقبت ليلى بنبرة تقطر سخرية:
ـ يا حلاوة! ليكون ذنبي أنا كمان وأنا مش دريانة؟
حدجها معاذ بنظرة نارية صامتة، مما اضطر مزيونة للتدخل حاسمة:
ـ إيه اللي حصل يا معاذ؟ دي مش عوايدك!
تبادل معاذ مع زوجته نظرات حارقة، ثم قال باختصار لا يخلو من وعيد:
ـ اسأليها!
اتجهت أنظار الأم نحو ابنتها بحيرة، فاندفعت ليلى تدافع عن نفسها:
ـ اسأليه هو يا أمي! أنا واحدة رايحة في أمان الله جامعتي، لقيت صاحبنا ده بيوقفني من غير سبب.
هنا هتف معاذ رافعاً حاجباً واحداً بتهكم:
ـ جامعتك برضه؟ ولا الشغل اللي قلتي عليه؟ فاكراني نايم على وداني؟
ساد صمت ثقيل، فنظرت ليلى إلى والدتها باستفسار تحول تدريجياً إلى استياء مرير حين رأت عيني أمها تزيغان هرباً من المواجهة،
تلعثمت مزيونة بحرج، لاعنة في سرها زلة لسانها في اخبار حمزة بما تفكر فيه ابنتها وبدوره الاخر لم يقصر في النقل الى معاذ وهذا ما يبدو سبب حضوره وشجاره مع زوجته لآن،
فحاولت التغطية على زلتها بمراوغة يائسة:
ـ مالك بتبصي لي كدة ليه؟ هو أنا اللي قلت له؟ أنا قلت لك يا معاذ؟ أنا قلت لك؟”
ـ لا طبعا محدش قالي،…..
تمتم الاخير ردا عليها يجاري كذبتها وقد فهم عليها ، ليردف بتوضيح اقوى وبانفعال مكشوف نحو ليلى:
ـ انا اللي فهمت من نفسي يا هانم! ولاّ فاكراني غبي ومش عارف إنتي بتخططي لإيه؟»”

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *