لأجلها بقلم امل نصر الفصل الخامس والستون

………………………
استيقظ ليجد الفراش خالياً من جواره. كان الهدوء مخيماً على غير العادة؛ لا أثر لزوجته ولا لصغيرتها، لذا لا عجب من هذا السكون، ولكن أين هما؟ والأطفال والدراسة؟ تباً…
انتفض فجأة حين تذكر موعد عمله؛ يبدو أنه قد تأخر كثيراً. “اللعنة!” همس بها متمتماً بالسباب وهو ينهض عن فراشه مزيحاً عنه الغطاء، بعدما انتبه لاتجاه عقارب ساعة الحائط المعلقة أمامه، هرول بخطوات سريعة بحثاً عن زوجته -المتسببة في تلك الكارثة- وهو يصيح:
ـ منى.. يا منى، هتضيعي عليا اليوم الدراسي يا منى!
خرج من الغرفة يواصل نداءه، لكنه توقف فجأة إثر إشارة حازمة منها، فقد وجدها جالسة في ركن الصالة، تضم الصغيرة إلى أحضانها وتهدهدها بحنو وحرص شديدين. لم يكترث منصور لكل ذلك، وتابع توبيخها بصوتٍ خفيض ولكن غاضب:
ـ طب حتى كنتِ سيبي لي التليفون اللي عليه المنبه جنبي عشان يصحيني في ميعادي، سيباني لما أتأخر يا منى!
نتيجة لعدم حرصه في السيطرة على انفعاله، فتحت الصغيرة عينيها فجأة وقد طار النوم منهما، فقلبت منى عينيها بسأم وقلة حيلة بعد أن فقدت الأمل في نوم طفلتها، فخرجت عن صمتها وثارت في وجهه:
ـ استريحت يا منصور؟ أهي صحيت من تاني، وأنا بقالي ساعتين بنيم فيها، مكنتش قادر تمسك نفسك اللحظة دي؟ ده غلب إيه ده بس يا ربي! مضايق من النوم اللي أنا مش عارفة أطوله أصلاً؟
تراجع منصور وشعر بحجم خطئه وهو يرى ملامح الانهيار والتعب على وجهها، فسكن الغضب في صدره فجأة، وحلّ محله شعور بوخز الندم أمام إرهاقها الظاهر. اقترب منها بخطوات وئيدة، ثم جلس بجوارها على الأريكة، ومد يديه ليتلقف الصغيرة من حضنها برفق، وكأنه يعتذر بصمت، ثم هز رأسه بأسف قائلاً بصوت خفيض:
ـ ما أنا قمت مفزوع على ميعاد الشغل اللي اتأخر.. على العموم يا ستي غلطتي وأصلحها، البت “المصيبة” دي أنا اللي هنيمها.
تنهدت منى بتعب، وأسندت رأسها للخلف وهي تنظر للسقف، ثم تمتمت بمرارة يغلفها الإرهاق:
ـ “أهو ده اللي بناخده من الخلفة يا منصور.. تعب وسهر ومرار طافح؟ أنا عشان كدة مكنتش عايزة أخلف تاني، توبة من دي النوبة لو أغلط واكررها، توووبة، يستحيل أخلف من تاني.. يستحيييل”.
بابتسامة مستترة، كان منصور يدعي انشغاله بالصغيرة الشقية، يداعب وجنتيها بطرف إصبعه، وقد صارت تبتسم إليه في إشارة لعدم استجابتها للنوم. كان يود لو يرفع رأسه إلى زوجته لينهاها عن وعدٍ قد لا تستطيع أن توفيه، فهو لن يتوقف عن إلحاحه ولا عن رغبته في المزيد من الأطفال منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *