إرث الخيانة بقلم اسماء حميدة

في جنازة جدتي، استدعاني محاميها جانبًا. ما رأيته عند الباب المظلم غيّر كل شيء.
في يوم جنازة جدّتي وبينما كان الحزن ينساب في المكان كضبابٍ ثقيل استدعاني محاميها جانبًا… لم يكن في صوته ما يلفت الانتباه لكن ما رأيته عند ذلك الباب المعتم لاحقًا كان كفيلًا بأن يبدّل ملامح الحكاية كلها ويقلب يقين الأمس إلى ريبةٍ لا قرار لها.
إن كنت قد وقفت يومًا وسط عائلتك تحيط بك الوجوه المألوفة ثم داهمك شعورٌ غامض بأنك دخيلٌ بينهم كأنك ضيفٌ في بيتٍ يفترض أنه بيتك فأنت تعرف ذلك البرد الخفي الذي لا صلة له ببرودة الطقس؛ بردٌ يتسلّل إلى الروح ويقيم في الفراغ بين الضلوع.
اسمي **چينا**… واليوم الذي وارينا فيه جدّتي الثرى كان اليوم الذي أدركت فيه أن الحزن لم يعد أبشع ما في الغرفة بل ربما كان أرحم ما فيها.
كانت المقبرة تستلقي على أطراف المدينة كسرٍّ قديمٍ أُخفي عمدًا خلف صفٍ طويل من الأشجار دائمة الخضرة… أشجارٍ بدت كأنها رُسمت بالفحم على صفحة السماء… وكانت السماء نفسها منخفضةً مثقلة بلونٍ رماديٍّ كئيب يكسو الأشياء جميعها هدوءًا زائدًا عن الحد… هدوءًا يشبه الصمت الذي يسبق اعترافًا خطيرًا.
كانت الرياح تمرّ كأصابع باردة تتسلل عبر معطفي بلا استئذان ثم تنفذ إلى ذلك الفراغ بين أضلعي كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع أو كأنها تحمل خريطةً لا أعرف كيف أقرأها.
وقفتُ إلى جوار نعش جدّتي **دورا** أحاول أن أستوعب تلك الحقيقة البسيطة القاسية:
لقد رحلت.
رحلت المرأة التي كانت لسنواتٍ طويلة مركز السكون في عائلتنا المضطربة والمرسى الذي تهدأ عنده أمواج الخلافات.
كانت **دورا** امرأةً من ذلك الطراز النادر الذي يشبه الظلال الوادعة؛ لا يعلو صوتها، ولا تتكلف الحكمة، لكنها حين تتكلم تسقط كلماتها في القلب كقطرات مطرٍ على أرضٍ عطشى… كل عصرٍ تقريبًا كانت تُعدّ الشاي ببطءٍ يشبه الطقوس ثم تجلس قرب النافذة وتقول بابتسامتها الهادئة:
“الصبر… يا صغيرتي هو السلاح الوحيد الذي يحتاجه الإنسان في هذه الحياة.”
وكانت تقولها وكأنها لا تنصحني فحسب بل تذكّر نفسها أيضًا بأن العالم مهما ضاق أو اشتد لا يُهزم إلا بمن يملكون طول النَفَس.
لكنني وأنا أقف أمام نعشها في ذلك الصباح الرمادي أدركت أن الحياة لا تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لنفهم وصايا الراحلين… وأن بعض الأسرار تخرج إلى النور فقط حين يُغلق النعش ويبدأ الصمت في الكلام.
