إرث الخيانة بقلم اسماء حميدة

كانت عيناها حمراوين والغضب يختلط في ملامحها بدموعٍ مكبوتة… اقتربت خطوة ثم همست بصوتٍ مرتجف:

— «لقد دمّرتِ عائلتنا يا چينا.»

نظرت إليها طويلًا… لم أرفع صوتي، ولم أشعر بحاجةٍ إلى الدفاع عن نفسي بل قلت بهدوءٍ يشبه الحقيقة حين تستقر أخيرًا في مكانها:

— «لا… لم أفعل.»

ثم أضفت بنبرةٍ ثابتة:

— «لقد دمّرها والدي قبل وقتٍ طويل من أن أفهم ما كان يفعله.»

مرّت الشهور ببطءٍ حذر، وعادت الحياة شيئًا فشيئًا إلى إيقاعها الهش، ذلك الإيقاع الذي يشبه خيطًا رفيعًا بين الطمأنينة والقلق. كان الشتاء قد بسط عباءته الثقيلة على المدينة؛ أمطارٌ لا تكف عن الهطول، وأمسياتٌ رمادية قصيرة كأن النهار فيها يتعب سريعًا ويستسلم للظلام.

وفي تلك الأيام، بدأ **كالي** يتردد على الملجأ بانتظام. لم يكن حضوره مجرد زيارة عابرة، بل صار جزءًا من المكان. كان يصلح الأجهزة المعطلة بيديه الصبورتين، ويجلس مع الأطفال في الزوايا الدافئة يساعدهم على إصلاح ألعابٍ مكسورة، ألعابٍ حملت مثلهم آثار بيوتٍ لم تعرف الهدوء.

كنت أراقبه أحيانًا من بعيد، فأدرك أن ما يفعله لم يكن إصلاحًا للأشياء فحسب… بل محاولة هادئة لإصلاح شيءٍ في داخله أيضًا.

—

في إحدى أمسيات الشتاء، جلسنا معًا على الشرفة الخلفية للمنزل. كان الضباب يتسلل ببطء عبر ضوء المصباح المعلّق فوقنا، فيصنع هالةً شاحبة حول المكان، كأن الليل يهمس بحكاياته القديمة.

ظل **كالي** صامتًا طويلًا، ثم قال فجأة بصوتٍ منخفض:

— «چينا… أحيانًا يراودني سؤال لا يتركني.»

التفتُّ إليه بهدوء، فتابع بعد لحظة تردد:

— «أتساءل إن كنت قد ساعدتهم دون قصد… كنت أنا من يحمل أكواب الشاي إلى جدتي معظم الوقت.»

توقفت الكلمات بيننا، ثقيلةً كقطرات المطر على السور الخشبي.

مددت يدي ووضعـتها فوق يده برفق، ثم قلت بلطفٍ حاولت أن أجعل فيه ما يكفي من اليقين:

— «كنت طفلًا يا كالي… وكنت تثق بالبالغين من حولك. وهذه الثقة هي ما يجب أن يملكه الأطفال دائمًا.»

ثم أضفت بهدوءٍ أعمق:

— «أما المسؤولية… فهي تقع على عاتق من أساؤوا استخدام تلك الثقة.»

تنهد كالي طويلًا، كأن شيئًا ظلّ عالقًا في صدره لسنوات بدأ أخيرًا يجد طريقه إلى الخروج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *