متاهة مشاعر بقلم الكاتبه نهى طلبة ج6

ـ اللي أنت جاي له مات.. حسن مات واندفن مع منى.. اللي قدامك ده.. شبح.. مسخ..
وتحرك نحو باب الشقة ليفتحه مردفاً:
ـ أحسن الله عزاؤك يا حاتم بيه..
هتف حاتم بدهشة:
ـ بتطرد أبوك من بيتك يا حسن؟..
أجابه حسن:
ـ سبق وطردتني من دنيتي كلها..
هزه حاتم بقوة:
ـ يا بني بلاش القسوة دي.. أنا ماليش غيرك أنت وأخوك.. وأخوك بهدل الدنيا واتجوز على مراته و..
صفق حسن كفيه بقوة وهو يهمس بيأس:
ـ ما فيش فايدة.. ما فيش فايدة يا حاتم بيه.. كارتك الكسبان اتحرق.. قومت جريت جري تدور في دفاترك القديمة.. بس أحب أقولك أن الدفاتر دي اتحرقت هي كمان وما بقاش فيها إلا الرماد..
هز حاتم رأسه بنفي:
ـ أنت ازاي بقيت كده.. ازاي يا حسن..
اجابه حسن بمرارة:
ـ كتر البعاد بيعلم الجفا..
أفاق حسن على أصوات السيارات لتنبهه لتحول الإشارة إلى الأخضر.. وكأنها تنبهه أن زيارة والده كانت إشارة البدء لحياته الجديدة.. فبعد خروج والده العاصف أخذ يتأمل حياته للحظات.. فرأى نفسه مجرد.. فاشل.. عاطل.. يعيش عالة على زوجته.. لم يستطع تحمل مواجهة الصورة المنعكسة أمامه, فخرج هائماً في شوارع باريس.. أفكاره تدور في دوامات.. تتخبط روحه بين شوارع لا نهاية لها كما يتخبط جسده بين أجساد بشر يمرون به.. لا يراهم ولا يعرفهم ولكنه يلمح نظرات منى اللائمة.. نظرات خيبة أملها به تبرق في أعينهم وكأنها آلاف الأسواط المُعَذِبة لروحه الجريحة..
وجد نفسه في النهاية أمام شقة فريدة.. حيث كانت تلك نقطة الانطلاق حين التقى هناك بغسان شريكه في المطعم.. والآلام..
عادت أصوات السيارات تدوي من حوله وتصاحبها بعض الأصوات العالية.. وقليل من السباب الفرنسي الأنيق, فانطلق بسيارته إلى عمله ليدفن به ما تبقى من نهاره.. أما الليل فهو يفنيه بين ذراعي لورا التي تبذل كل جهدها لترضيه وتسعده وتنسيه.. وهو ينهل من حبها.. من مشاعرها التي تغرقه بها بكرم وصبر في انتظار اللحظة التي يبادلها فيها مشاعرها.. لحظة يعلم علم اليقين أنها لن تأتي أبداً.. ولكنه بكل أنانية يقتات على حب لورا له ليحيا.. يتنفس.. يستمر على قيد الحياة, ولكنه أبداً لن يعيش ثانية..
وصل إلى مطعمه ليلمح سيارة لورا متوقفة خارجه, انتابه القلق الشديد.. فلم تركت عملها الذي تعشقه في منتصف نهار عمل!.. ترجل من سيارته بسرعة وانطلق نحو مكتبه ليجدها تنتظره في مكتبه وما أن لمحته حتى أنطلقت لتتعلق بعنقه هاتفة بسعادة: