الخامس والعشرون توجه هو الى جناحه بخطوات متمهلة رزينة وحمد ربه أنه لم يجد والدته بأنتظاره فلابد أنها غفت كعادتها مبكرًا، وعندما أدار مقبض الباب ليدلف الى الداخل سحب نفس عميق من الهواء الى داخل رئته وكأنه سيشعر بالأختناق بالداخل، ثم تقدم بخطوات هادئة ليجد الغرفة بأكملها يسودها الظلام الدامس ليخطو عدة خطوات بحذر ويتحسس مكبس الأنارة ليضئ الغرفة كانت هي تنتظر عودته بفارغ الصبر ولكن دون وعي غفت سهوًا على وضعيتها السابقة رمقها هو بطرف عينه ولم يكترث لها ثم توجه الى المرحاض ليأخذ حمامًا باردًا لعله يزيح بعض من ارهاق ذلك اليوم الكارثي وعند غلقه لباب المرحاض انتفضت هي بذعر ونهضت من غفوتها وهي تلعن غبائها، ليتناهي الى مسامعها صوت المياه الجارية بالداخل لتبتسم دون وعي وتتوجه للمرأة تتطلع لهيئتها المبعثرة بعدم رضا فكانت خصلاتها متناثرة بفوضوية ووجهها شاحب بشكل ملفت حتى عيناها كانت منتفخة قليلًا أثر بكائها المتواصل لتزفر بضيق بعدما طالعت ذلك الثوب الأبيض اللعين الذي ترتديه الذي جلبه لها ذلك المقيت وتشعر بالأختناق بداخله لكن ماذا تفعل هي لم تجلب أي شيء خاص بها معها فما حدث شتتها كثيرًا وافقدها تركيزها، لتحاول جاهدة ان تعدل من هيئتها قليلًا وترتب خصلاتها و جلست تنتظر خروجه، بعد عدة دقائق معدودة خرج وهو يحاوط خصره بمنشفته العريضة وتوجه دون أكتراث الى غرفة ملابسه وعند سحبه لذلك البنطال القطني من خزانته شعر بها من صوت أنفاسها القريبة منه ولكن ظل على وضعيته ولم يعطيها أي أهتمام وظل منهمك بأنتقاء باقي ملابسه لتقترب هي منه بخطوات حثيثة تحتضنه من ظهره بروية واشتياق، وعندما تشنجت عضلات جسده تحت يدها لم تهتم وشددت أكثر من عناقه تريد أن تستشعر ولو بعض من الأمان والراحة بقربه ليغمض هو عينه بقوة، وتتعالى أنفاسه ورغم ذلك ظل على وضعيته وألتزم بثباته لتخبره هي بتوجس وهي تدفن جانب وجهها بظهره أكثر: -عمري ما أتخيلت انك ممكن تسامحني وتصدق اني مظلومة حانت منه بسمة هازئة وهدر ساخرًا وهو يفك تشابك ذراعيها حول خصره وينفضها بعنف ويبتعد عنها وكأنها تثير إشمئزازه: -مش هتفرق كتير وياريت متتعديش حدودك معايا واخر مرة تلمسيني وبلاش اسلوبك الرخيص ده أحتل الحزن معالم وجهها تأثرًا بحديثه وهمهمت متسائلة بعيون غائمة: -للدرجة كارهني وقرفان مني، طب اتجوزتني ليه؟ ليخبرها هو بغموض وبكلمات مقتضبة: – ليا اسبابي الخاصة لغمغم هي بإصرار: – من حقي أعرف اسبابك ليهدر هو بحدة وبأندفاع على غير عادته يتقصد أهانتها ويتعمد أن يخفي السبب الأساسي لزيجته منها: -عايزة تعرفي أسباب هقولك اولًا مسمهاش اتجوزتني، اسمها أشترتني، انا أشترتك من ابوكِ ودفعت تمنك غالي أوي مع انك رخيصة وتمنك كان لازم يبقى رخيص زيك، وللأسف كنت مضطر أعمل كده علشان خاطر اختك اللي جاتلي هنا واترجتني، وانا بصراحة لقيت الموضوع ممكن استفاد منه واصلح سوء سمعتي اللي انتِ لطخطيها ما هو مش صقر العزازي اللي واحدة زيك تخسره شغله وسمعته كانت تستمع له بقلب يمزقه الألم ودمعات منسابة دون انقطاع لتغمغم بصوت مختنق: – يعني أشترتني علشان فرحة بس مش علشان بتحبني رد بنبرة هازئة وبقسوة لم تكن ابدًا من طباعه: -حتى لو كنت، مبقاش ينفع انا لا يمكن أخد فَضلت غيري لازم الست اللي تشيل أسمي وافكر أجيب منها أطفال، تبقى عفيفة ومفيش راجل قبلي لمس طرف توبها وأكيد الست دي مش هتبقي انتِ، جوازي منك هيبقى مؤقت لغاية مصلح الفضيحة اللي الغبي ده عملها، وبعد كده هطلقك و هاخدلك شقة بعيد انتِ واختك تعيشي فيها ومتقلقيش هتكفل بكل بحاجة لو كانت الكلمات تقتل لسقطت الأن طريحة لآثارها، فقد حانت منها بسمة هزيلة غير متزنة ساخرة من نفسها ومن ما توصلت له حياتها فماذا تفعل هي بشكوكه الواهية نحوها، كيف تثبت له عكس ذلك وكل الدلائل ضدها…حقًا سأمت من تدنيث الجميع لها ولم تعد لديها قدرة على إقناع أحد بعفتها. لتهمس بضيق و بنبرة حارقة وهي تجفف دمعاتها بيدها تحاول لملمت ما بقى من حطامها: -كتر ألف خيرك يا صقر بيه جميلك ده عمري ما هنساه لتنسحب بهدوء من امامه بخطوات متخاذلة ضعيفة ليلعن هو بخفوت وهو يتطلع بآثارها، فقلبه اللعين رغم كل شيء يأن بين اضلعه ويحثه أن يرق لها. ——————– حين انتهى من ارتداء ملابسه توجه الى فراشه ولكن ما أثار حنقه هو أنها اتخذت من الأرض فراش لها ليزفر حانقًا ويقول: – قومي من على الأرض ونامي على السرير وبلاش شغل الأستعطاف ده مش هيدخل عليا ردت هي بصوت مختنق: – شكرًا انا مرتاحة كده، انا مش بستعطف حد انا متعودة على نومة الأرض ابتسم هو ساخرًا وهدر بنبرة متهكمة: -خايفة مني ولا أيه؟ متقلقيش انا عمري ما هفكر أقرب لواحدة زيك أغمضت عيناها بقوة وتصنعت النوم وظلت تقنع ذاتها أنها في كابوس مفزع مثل كوابيسها المعتادة وعندما يأس من ردها تمدد على الفراش وظل كل حين وآخر ينظر لها نظرات خاطفة، فكانت هي متكورة على نفسها بالارض وتحتضن وسادته وتنتفض وكأنها تحاول جاهدة كتم شهقاتها وبعد عدة دقائق شعر بأنتظام أنفاسها دليل على استغراقها بالنوم ليحاول هو جاهدًا أن يتحايل على النوم لكن دون جدوى ومع اول انبثاق لخيوط النهار الاولى نهض من جديد وارتدى ملابسة الرسمية المعتادة وغادر الغرفة بعدما ألقى عليها نظرة أخيرة متمعنة هو نفسه لم يعرف المغزى منها. ————————– تململت هي بتكاسل كعادتها وظلت ترمش بأهدابها عدة مرات لتستيقظ بالكامل وعندها شهقت بقوة عندما وجدت نفسها غافية بغرفة نومها القديمة، لتهتف بصوت جهوري وهي تنهض وتتوجه للخارج: -انت زودتها اوي، والله ما هسكتلك؟ كان هو في تلك الأثناء يعد الفطور التي تفضله هي كالسابق بكل حماس وهو يدندن أحدى الأغاني الشعبية الدارجة أما عنها بحثت عنه بكامل الشقة لم تجده الى أن تناهى الى مسامعها صوت غنائه بتلك الاغاني التي تمقتها كثيرًا عرفت اين هو فتلك كانت أحد عاداته عندما يدخل المطبخ، لتخطو بخطوات حثيثة و بحذر مبالغ به الى باب الشقة تحاول الفرار ولكن خابت كافة آمالها عندما وجدته موصود من الداخل تأففت هي بغيظ وظلت تحاول جذب الباب لفتحه لكن دون جدوى – متحاوليش يا ميوش مفيش خروج من هنا هدر هو بتسلية بعدما شعر بها طالعته بغيظ وهي تضرب الأرض بقدمها: – انت ايه مبتفهمش بقولك عندي سفر ومعاد طيارة وبعدين انت أزاي تسمح لنفسك تجبني هنا ابتسم بمشاكسة وهو يرفع حاجبيه وكرر: -نقول تاني…أنا رديتك ليا ومفيش سفر غير على جثتي انسي ياحبي لتصيح هي بشراسة وبعناد: -وانا مش موافقة ومش هرجعلك مش بالعافية ولو فعلاً ردتني يبقى هتطلقني نفى برأسه وقال ببسمة متسلية استفزتها وهو يقرص وجنتها: -مستحيل أعمل كده وكلمة طلاق دي تحذفيها من قاموسك يا حبي زمجرت هي معاندة وهي تنفض يده: -هطلقني وبعد عدتك متخلص واولد هسافر وخلي ست نيرة بتاعتك تنفعك تقلصت معالم وجهه بضيق بعدما تذكر تمثليته الدرامية الذي حاكها ضدها وشعر بأنه تمادي كثيرًا بحقها و ظل يبرر لنفسه أنها هي من دفعته لذلك، ورغم ذلك لايستطيع إخبارها الأن فهو يعلمها تمام المعرفة ستعاند وتتخذ ضده موقف عدائي وهو لا ينقصه فليجعل كل شيء ياخذ مساره الطبيعي مع الوقت لتصرخ هي بأنفعال بعدما لاحظت شروده: -انت يا دكتور سرحت في ايه ان شاء الله اوعى تكون وحشتك وبتفكر تجري عليها ماهو ده اللي ناقص ابتسم هو بأتساع بعدما شعر بغيرتها الواضحة وهمهم بعبث: -يظهر انك بتغيري منها أوي رفعت جانب فمها بأمتعاض وردت بإستنكار وهي تضع يدها بخصرها: -انا لا…لا طبعًا انت بتهزر انا مستحيل أغير من المايعة دي بصراحة ذوقك مسهوك أوي زيك ردد كلمتها بذهول وهو يقترب منها بخطوات بطيئة وترتها: -انا مسهوك…متأكدة أومأت له بتأكيد وبشجاعة زائفة ليباغتها بمحاوطته لخصرها بقوة ويقترب من وجهها بشكل مربك للغايه ويهمهم أمام شفاهها: -تحبي أثبتلك العكس أبتلعت ريقها ببطئ شديد وتعالت أنفاسها وظلت عيناها منحصرة عند فمه ليشدد هو من محاصرته لها ويجذبها أكثر إليه بشكل خطير للغاية لتستند هي على صدره براحتيها وترفع نظراتها الضائعة له، ليهمس هو من جديد وهو يقترب ببطئ مميت من ثغرها: -انا شايف أن ده إتهام خطير ولازم أثبتلك العكس بطريقتي وخصوصًا انك وحشتيني اوي لتغمض هي عيناها بعدما داعبت كلماته كافة حواسها، ليحمسه ذلك كثيرًا ويجعله يقترب أكثر وان كادت أن تتلاحم شفاههم تمتمت هي بصوت ضعيف وهي تدفعه بصدره: -انا جعانة أغمض عينه بقوة وابتعد عنها وهو يحاول أن يتمالك نفسه من جديد ويتحكم بثورته ليوليها ظهره ويتمتم منزعج: -وقت أكل ده، ده انتِ فصيلة تعالي ورايا على المطبخ يا أخرة صبري لتتبعه هي بخطوات واسعة وهي تستمتع برائحة الطعام التي تسللت الى أنفها. ———————– تدلى الدرج وان كاد أن يغادر استوقفته هي بنبرة حادة متهكمة: -رايح فين أكيد هربان علشان متبررليش عملتك السودة تنهد هو بضيق وعاد ادراجه من جديد وأقترب منها قائلًا بثبات: -امي انا اتجوزت معملتش حاجة غلط ومش مضطر ابررلك حاجة زمجرت هي بعدم رضا: – يعني يوم ما تفكر تتجوز تكون واحدة زي دي، انا مستحيل أقبل بكده، البنت دي مستحيل تتنسب لأسم العزازي انت فاهم فرك ذقنه بهدوء ورد بنفاذ صبر: -امي جوازي منها مؤقت انا بس اتجوزتها علشان ألحق سمعتي وأمحي وصمة العار اللي اضافت في تاريخي انتِ عارفاني يا أمي وعارفة طبعي، واظن انتِ كمان الموضوع هيفرق معاكِ علشان شكلك الأجتماعي ميتأثرش لتهدر وهي تكتف يدها على صدرها: – جوازك منها مش هيغير حقيقة انها بنت مش كويسة وسمعتها بطالة، ده بالعكس ممكن يزود الأمر سوء رد هو بعقلانية وبنبرة واثقة: -متقلقيش انا هكذب كل اللي اتقال عليها وهقول أن اللي قالو عنها الكلام ده أعداء ليا وعايزين يضرو سمعتي، وصدقيني الناس وقتها هتصدق تنهدت وأمرته بغيظ: -خلاص يبقى تشوفلها مكان تاني وتطلقها لما الموضوع يهدى أومأ لها وهدر بعقلانية: -مينفعش اقعدها في حتة تانية، لازم تبقى موجودة في المكان اللي انا موجود فيه علشان الموضوع يبقى مقنع أكتر هزت رأسها وهتفت بتهكم وبنبرة مشككة: -مش عارفة ليه حاسة انه مش سبب كافي لجوازك منها، وان في سبب أقوى من كده خلاك تتجوزها، انا عارفاك كويس وعارفة طبعك زي طبعك ابوك الله يرحمه مبتتهونش في الغلط، الفرق الوحيد اللي بينك وبينه انه هو كان قاسي وعمر ما الحب عرف طريق قلبه نظر لها بضيق وهو يتذكر ما عانته أمه، فنعم ابيه كان حاد الطباع كثيرًا، وصارم في كافة قراراته ولا يقبل الحياد ابدًا لدرجة انه كان لايقبل النقاش حتى ويتعامل معها بكل قسوة دون أي ذرة تفاهم واحدة و برغم من ذلك تحملت وكانت تخبره دائمًا كي تستعطفه و تثقل كاهله ان ما فعلته كان من أجله هو. ليتنهد بضيق ويخبرها متعمدًا أن يخفي عنها: -مفيش اسباب تانية…وصدقيني انا هطلقها بس مش دلوقتي أومأت له بتفهم وظلت الشكوك برأسها كونه يخفي شيء، ولذلك عزمت أمرها ان تكتشف بنفسها، ليبتسم هو ببهوت ويقبل جبينها وانصرف بخطوات واسعة وهو يتمنى من كل قلبه أن لايكون لوالدته صلة بشكوك عمه. —————— ظلت تتناول الطعام بشهية كبيرة حتى أنها أفرغت معظم الأطباق من محتوياتها ومع كل لقمة تلوكها بفمها تصدر تلك الأصوات المستمتعة التي كادت أن تصيبه بالجنون ليعقب بخفة وهو يطالعها: – يا ساتر يارب اول مرة اعرف انك مفجوعة ده فاضل شوية وتاكلي دراعي تأففت مي وردت بتذمر: -اففففف يعني بلاش أأكل ولا ايه مش كفاية انك قاعد بتتفرج عليا وانا سكتالك؟ أبتسم هاشم على طريقتها وهدر بمشاكسة: -اولًا انا اتفرج عليكِ براحتي ومتقدريش تمنعيني ثانيًا بقى وده الأهم انا بهزر انا عايزك تاكلي كويس علشان أبني اللي في بطنك، بس وحياتك، ليا رجاء، بلاش أصوات وانتِ بتاكلي علشان انا أعصابي باظت رفعت جانب فمها بأمتعاض وقالت تعانده بعدما تفهمت معزى حديثه: -براحتي والله انت مش هتفرض عليا كمان أأكل أزاي، وبعدين مين قال انه ولد انا عايزة بنت شبهي ابتسم هو بسمة مهلكة لقلبها وهمهم بنبرة عاشقة وهو يتفرس بها: -بنت ولد كل اللي يجيبه ربنا كويس أهم حاجة انهم هيبقو منك انتِ، وبعدين أنا هبقى اسعد راجل في الدنيا لو طلعوا شبهك يا ميوش ابتلعت الطعام الذي كان بفمها ببطئ شديد وبصعوبة بالغة بعدما أصابتها كلماته بجفاف حلقها لينتابها نوبة من السعال المتكرر ليسرع هو إليها ويناولها كوب الماء الموضوع أعلى طاولة الطعام ويجثو مقابل لها والقلق يغزو ملامحه، لتتناول هي بعض من الماء ويهدء سعالها تدريجيًا ليهمهم هو بقلق وهويزيح خصلاتها المتناثرة خلف اذنها: – بقيتي احسن أومأت له وهمهمت بتوتر: -كويسة ابتسم لها بهدوء وتمعن بملامحها وهو مازال على جلسته أمامها ثم تمسك بيدها وهمهم بوله تام يتوسلها: -علشان خاطري بلاش تعاندي و تبعديني عنك انتِ عارفة اني بحبك، وكان غصب عني، انا راجل وكان صعب اتقبل مجرد الشك انك بتحبي راجل غيري، أعذريني وسامحيني وخلينا نبدأ من جديد تمتمت بعدم أقتناع وبنبرة غاضبة وهي تتذكر اتهامه لها: -انت جرحتني وشككت في اخلاقي نفى هو برأسه وقال بصدق دون ذرة تفكير واحدة: -والله ابدًا أنا بثق ثقة عامية في اخلاقك وعارف ومتأكد أنك عمرك ما عملتي حاجة غلط… أنا قلة ثقتي كانت في حبك ليا …أنا عمري ما شوفت نفسي في عينك وعمرك ما حسستيني إني مهم بالنسبة ليكِ أو إني استحقك علشان كده كنت بموت من مجرد الشك أن راجل غيري استحق الاحساس ده منك تأثرت بحديثه فهو محق هي لا تنكر سخطها عليه في السابق ولكن حقًا حين خسرته قدرت قيمته و ندمت من كل قلبها واستوعبت أنها لم تعشق سواه ولكن هو جرحها وشكك بها واستهان بإخلاصها…فقد أغمضت عيناها لبرهة تستعيد ثباتها ثم طفر عتابها: -عارفة إني كنت غلطانة بس أنت كسرت قلبي ومعطتنيش وقت حتى ادافع عن نفسي أو اثبتلك حاجة لما لقيتك مع واحدة غيري واخدة مكاني ليهدر هو بأسف وبنبرة صادقة حنونة نابعة من صميم قلبه: -حقك عليا و والله العظيم متخلقتش اللي تقدر تاخد مكانك في قلبي، ربنا يعلم اني عمري ما حبيت ولا هحب حد زيك، انتِ الوحيدة اللي دخلتي قلبي واتربعتي جواه وهيفضل ده مكانك لأخر دقة فيه غامت عيناها تأثرًا بحديثه الذي أصاب أوتار قلبها بأرتجافة قوية ولكنها لن تستسلم بتلك السهولة وتتنازل عن كبريائها: -مش هعرف اسامحك… هز رأسه متفهمًا وقال بحنان وهو يضع خصلاتها خلف أذنها: -حقك…وهستناكِ تاخدي وقتك بس وانتِ جنبي علشان انا معنديش استعداد أخسرك تقلصت معالم وجهها وتسائلت بريبة: -يعني إيه؟ اجابها وهو يتوسلها بعيناه: -يعني علشان خاطري بطلي عناد و ادي حياتنا فرصة نبدأ فيها من جديد حانت منها بسمة ساخرة ثم عارضت لكي تثأر لنفسها وترفضه كما فعل معها: -مش هيحصل يا هاشم أنا مش عايزاك زمجر هو غاضبًا وتخلى عن هدوئه حين ضرب الطاولة امامه بقبضته بقوة أجفلتها وصرخ بنبرة فاض الكيل بها: -بس أنا عايزك وده كفاية و أعملي حسابك مش هسمحلك تخربي حياتنا بعنادك…. اعترضت وهي تهب من جلستها منفعلة: -يعني إيه هعيش معاك بالعافية؟ اكد بنبرة مُصرة يثق من كل كلمة بها: -اه بالعافية طالما الادب مش نافع معاكِ واعملي حسابك مفيش خروج من هنا لغاية معاد ولادتك، ووريني بقى هتعملي ايه لينسحب من أمامها بخطوات غاضبة ويغادر، وقبل أن تلحق به استمعت الى صوت حركة أدارت المفتاح بباب الشقة دليل على أغلاقه له وتنفيذه لوعيده بحبسها. ————————- باشر هو بعض من الأمور المتعلقة بالعمل وعند انتهائه رفع سماعة الهاتف وطلب من أكرم الحضور إليه ليشرد بعدها دون أرادة بها وحين تذكر قسوته معها بالأمس اختنقت أنفاسه وكأن حجر ثقيل يجثم على صدره، وما ذاد الأمر عليه سوءٍ هو تذكره لهيئتها المزرية بالأمس ونحيبها المتواصل أثناء نومتها بالأرض، نفض افكاره وهز رأسه بقوة كأنه سينفضها هي من عقله وظل يقنع نفسه ويسمم افكاره بكونها تستحق وربما أكثر، جزاء فعلتها، فلن يشفق عليها فهي بنظره تتصنع كل ذلك لتؤثر عليه. قطع شروده دلوف أكرم له قائلًا: -خير يا صقر تأمرني بحاجة أجابه صقر بهدوء: -ايوة يا أكرم عايزك تجمعلي شوية صحفين علشان عايز أصرح عن خبر جوازي ردد أكرم كلمته بعدم تصديق وبنبرة متوجسة: – نعم جوازك أزاي يعني مش فاهم أبتسم صقر بهدوء وأخبره: -متستغربش ومتزعلش اني مقولتش ليك بس كل حاجة حصلت بسرعة ليباغته أكرم بتسأل: -وياتري بقى مين سعيدة الحظ؟ ليغمض عينه ويحل رباط عنقه و هو يهدر بأسمها بضيق: -فتون فغر أكرم فمه بعدم تصديق وتمتم بتقطع: -لأ…بتهزر…مش معقول لازم تحكيلي كل حاجة أومأ له صقر وأخبره بجدية: -هحكيلك متقلقش بس الأول نفذ اللي قولتلك عليه وياريت يبقى النهاردة هز أكرم رأسه بطاعة ثم انصرف لينفذ أمر صديقه برحابة صدر. ————————- كانت مازالت هي تغط في سبات عميق نتيجة أرهاقها، الى أن اندفع الباب بقوة وتقدمت هند منها قائلة بسخط: – والله عال…لسه نايمة لغاية دلوقتي…انتِ فاكرة نفسك جاية تستجمي هنا ولا أيه نهضت هي بذعر بعدما اجفلها دخول هند المباغت لها لتهمهم بحرج وهي تفرك عيناها لتزيح اثار النوم عنها: -آسف يا أمي بس كنت مرهقة ومقدرتش أصحى بدري امتعضت ملامح هند بشدة وهدرت باشمئزاز من لقبها: – اوعي تقوليلي الكلمة دي تاني انتِ فاهمة قوليلي يا هند هانم زي ما الخدم بينادوني أطرقت هي رأسها بالأرض بحرج وهمهمت بطاعة: – حاضر يا هانم لتأمرها هند بحدة وهي تشملها: – من النهاردة مسؤولية الجناح بقت بتاعتك، تنظفيه اول بأول ما هو أكيد مش هنقعدك ونخدمك كمان، كفاية ان ابني لمك من الشوارع ابتلعت غصة مسننة بحلقها من أهانتها ثم همهمت باستسلام دون مجادلة: -حاضر تأمريني بحاجة تانية لترفع هند عيناها الى سقف الغرفة بعدم رضا وتهدر بخبث: -أسمعي النجفة دي مش عاجباني حاساها فيها تراب ياريت تعمليها اول حاجة حانت منها بسمة متألمة عابرة من معاملتها لها فماذا كانت تتوقع أن ترحب بها أَم تفخر بنسبها لذلك همهمت باستسلام وهي مطرقة الرأس: – انا هنفذ اوامر حضرتك بس مش هعرف اتحرك بالفستان ده وللأسف نسيت أجيب هدوم معايا أجابتها هند بغطرسة: -مليش فيه اتصرفي وبعد عدة دقائق أحضرت فوزية كبيرة الخدم إليها ادوات التنظيف وسلم خشبي ليسهل عليها الوصول لتلك النجفة الكرستالية اللامعة التي تقسم أنها تري انعكاس صورتها بها من شدة نظافتها، عن أي غبار تتحدث هي! فقد صعدت على السلم بحذر وبصعوبة بالغة وهي تتفادى أن تتعثر بطرف فستانها وظلت تباشر ما طلبته هند منها ولكن ما أثار دهشتها هو وقوف هند تطالعها بنظرات غريبة لا تعلم المغزى منها بعدما أمرت فوزية أن تنصرف وبعد عدة دقائق وإن كادت أن تنتهي شعرت بأحد يدفع السلم بها بقوة، لتشهق بهلع وقبل حتى أن تنظر للأسفل كانت قد سقطت على ظهرها وسقط السلم معها لكن من حسن حظها الغير معتاد، لم يسقط عليها و سقط بجانبها تأوهت هي بقوة وظلت متمسكة بظهرها، تأن من شدة الألم لترمقها هند ببسمة متشفية وتقول بخبث: -بسيطة قومي وبلاش دلع هزت فتون رأسها بضعف وهمهمت وهي تقاوم رغبتها بالبكاء: -مش قادرة أقوم ظهري واجعني أوي لترد هند بمكر وهي تحاول سبر اغوارها لتتأكد من شكوكها: -اوعي تكوني حامل، أصل وقعة زي دي ياحرام أكيد هتسقطك وعندها، لم تستطيع فتون كبح دمعاتها أكثر فهي تفهمت الآن لما دفعتها وتعمدت أن توقعها لتسألها من جديد ولكن تلك المرة بوضوح أكثر وبنبرة لئيمة: -ردي عليا حامل ولا مش حامل ماهو أكيد في سبب قوي يخلي ابني يتجوز منك، قولي وخلصيني هزت فتون رأسها بنفي قاطع ووضعت يدها على عيناها بضعف وظلت تبكي بحرقة مريرة لتزفر هند بأرتياح فلو كانت أصابت شكوكها كانت سوف تسعى بكافة الطرق للتخلص من حملها ومنها في تلك الأثناء هرولت فوزية الي غرفة محمد العزازي بعدما شاهدت كل ما دار خلسة لتقول بتوسل بعدما فتح الباب لها: -ألحق يا بيه الله يخليك هند هانم مستفرضة بالبنت المسكينة اللي تحت ليندفع هو بكل سرعته الى عندها، وعندما وصل اجفله ما رأه ليهتف بقلق وهو يجثو بالأرض ليطمأن على فتون: -ايه اللي حصل يا بنتي ردي عليا أخبرته بضعف وهي تتحامل على نفسها وتكبح دمعاتها وتحاول النهوض: -محصلش حاجة يا عمو انا اتكعبلت في الفستان وانا بنظف النجفة ليوجه حديثه لهند بحدة وبنبرة قوية وهو يسند فتون ويوصلها الى الفراش يجلسها عليه: -حرام عليكِ ليه مفيش حد بيسلم من أذاكِ، اكيد انتِ اللي أمرتيها بكده صح أجابته هند بغطرسة: -وفيها ايه يعني لما تساعد الخدم وتعمل بلقمتها، مفروض تحمد ربنا اننا لميناها من الشوارع لينهرها محمد بغضب وبصوت جهوري منفعل: – قسمًا بالله يا هند لو مسيبتي البنت في حالها لكون قايل ل صقر ومخليه هو اللي يتصرف معاكِ، وانتِ عارفة ابنك كويس ميتهاونش في اللي يخصه حانت منها بسمة هازئة وأستأنفت ساخرة: -انت قولت بلسانك اللي يخصه، وأكيد الجربوعة دي متخصهوش في حاجة لانه هو بنفسه قالي كده، ريح نفسك انت يا محمد ومتدخلش انا بعرف اتعامل مع الأشكال دي كويس لتنسحب من أمامهم بخطوات منتصرة وعلى ثغرها بسمة خبيثة متشفية أطرقت فتون رأسها بالأرض وهي تشعر بالقهر من حديثها وما فعلته بها ليهمهم محمد بحنان وبنبرة آسفة: – حقك عليا انا يا بنتي اوعدك هخدلك حقك منها بس انتِ متزعليش، وقوليلي حاسة بأيه انا هجبلك دكتور هزت رأسها برفض واخبرته بنبرة ضعيفة منكسرة لأبعد حد: -ملوش داعي انا كويسة وبعدين متقلقش أنا أخدة على الوجع ليحتضنها محمد بحنو شديد وهو يشعر أن قلبه يعتصر من الألم بسبب حديثها وقلبه يخبره أن تلك المسكينة تعذبت كثيرًا في حياتها، ليفصل عناقه بعيون غائمة وينظر لطاولة الطعام معاتبًا: -كده يا بنتي مأكليش حرام عليكِ نفسك، قومي يلا أغسلي وشك وتعالي، علشان انا هفطر معاكِ لتنصاع له وتنهض تتوجه الى المرحاض وهي تتحامل على نفسها وتتعمد أن تخفي ملامحها المتألمة أمامه ليأمر هو احدى الخدم بتنظيف الفوضى التي حدثت بالغرفة ويجلس ينتظرها وبعد عدة دقائق جلسو سويًا يتناولون الطعام وهم يتبادلون اطراف الحديث، ولكل منهم افكاره الخاصة، فكانت هي تفكر في كم الطيبة والحنان الذي يغدقها بها وتستغرب كثيرًا شعورها بالألفة والراحة تجاهه، أما هو فكان يشعر بيقين قوي من نحوها كونها أبنته وقطعة من محبوبته الغالية التي فقدها. ——————— تعالى رنين هاتفه بإلحاح ليتناوله ويجيب بسأم بعدما شاهد رقم ذلك الصحفي الذي ساعده من قبل -خير… عايز ايه؟ -يا فندم عندي معلومة ومعرفش هتفيد حضرتك ولا لأ -اتكلم معلومة ايه؟ -يافندم صقر العزازي عامل مؤتمر صحفي علشان يصرح بخبر جوازه من البنت نفسها اللي نشرنا صورها معاه، وهيكذب فيه كل اللي اتقال عنها انا لسه عارف حالًا من مصادري وحبيت أقولك ليغلق أكمل الخط و تراوده الكثير من الشكوك واولها أن صقر فعل ذلك لينتقم منها ودون أدنى تفكير حاول النهوض بصعوبة بالغة وهو يتحامل على نفسه ليذهب إليه لكن تفاجئ بدخول هاشم ونهره له بقوة: -انت قمت ليه تاني مش هترتاح غير لما تموت نفسك، رايح فين يا جبلة ليخبره أكمل بإصرار: -هروح لصقر لازم يعرف كل حاجة ومش هينفع اسكت اكتر من كده رد هاشم بجدية: – احنا مش اتفقنا لما تخرج من هنا وتشد حيلك ايه اللي جد فسر أكمل بتقريع ضمير وبنبرة مختنقة بذنبه: -اتجوزها يا هاشم وانا متأكد انه عمل كده علشان ينتقم منها انا لازم ألحقه وأفهمه منعه هاشم بحدة: -مش هينفع تتحرك يا أكمل انا هروحله وهحكيله بس انت ريح الله يخليك ومتتعبش نفسك ليجلس أكمل بتهاون من جديد ويقول بنبرة متألمة: – يارتني موتت ولا أني اذيت كل اللي حواليا كده لينهره هاشم من جديد: – اتهد بقى وبطل كلامك ده، بعد الشر عليك، قولتلك هنصلح كل حاجة بأذن الله متقلقش انا هروحله ويارب ألقيه في الشركة ريح انت عقبال ما أرجعلك أومأ له بضعف وشعور الندم يطغو على ملامحه لينصرف هاشم ويتركه يؤنب ذاته من جديد على كل أفعاله المشينة. ——————– في شركة العزازي بعد ساعتين دخل أكرم اليه بهدوء وأخبره: -نفذت اوامرك يا صقر والنهاردة بليل كل حاجة هتم زي ما انت عايز أومأ له صقر بأمتنان وقال وهو ينهض عازم الخروج: -شكرًا يا أكرم انا هروح القصر أحاول انام شوية قبليها تردد أكرم قليلًا ثم اخبره بتوجس: – استنى أصل هاشم بره وعايز يقابلك بيقول موضوع مهم ضيق عينه بتفكير وتسائل: -عايز ايه هاشم مقالكش -لا متكلمش في حاجة غير انه لازم يقابلك ضروري زفر أنفاسه ثم جلس خلف مكتبه بوقار وأخبره برزانة: -دخله لما أشوف عايز ايه؟ هز أكرم رأسه بطاعة وانسحب وبعد دقيقتان دخل هاشم إليه وهو مطرق الرأس وملامح الحرج مرتسمة على وجهه ليهدر صقر: -اتفضل اقعد يا هاشم خير اوعى تكون جاي علشان تدافع عن أكمل وتبرر موقفه جلس هاشم مقابل له وقال مستنكرًا: -لأ …انا مش جاي علشان ادافع عنه، وعلى فكرة انا مكنتش أعرف اللي هو عمله غير من أكرم ولو كنت عرفت قبليها كنت عارضته ومنعته انت عارفني يا صقر انا مبعرفش اضلل الحق ولا يرضيني اللي حصل اجابه صقر بجدية: -لو مش جاي علشان أكمل…جاي ليه؟خش في الموضوع علطول رد هاشم موضحًا: -انا جاي علشان…فتون أغمض عينه بقوة وحاول جاهدًا أن يتغاضى عن صرخات قلبه من مجرد سماعه لأسمها وتمتم وهو يدعي الثبات: -وانت ايه علاقتك أنت كمان بفتون أجابه هاشم وهو يدلك رقبته كعادته عندما يتوتر: – أعرفها يا صقر ويمكن كمان أكون انا السبب فأختيار أكمل ليها بس والله العظيم مكنتش أقصد ولا أعرف للي بيخططله زفر صقر بنفاذ صبر ورفع نظراته بسأم ثم باغته بقوة: -انا مش فاهم حاجة انت جاي تقول ألغاز ياريت توضح ليجيبه هاشم بتوتر بعدما أجفلته ردة فعله: -هوضحلك كل حاجة وهحكيلك من الأول خالص بس انت بلاش تتعصب وأسمعني تنهد بعمق بعدما أشعل سيجاره وأومأ له يحثه ان يتحدث ليبدأ هاشم في قص كل شيء بدايتًا من ذلك اليوم المشؤوم: -بدأت الحكاية لما خدني معاه المخزن المهجور بتاعه لقيته هناك مربط بنتين ونازل ضرب فيهم ولما حاولت امنعه يأذيهم قالي ان واحدة فيهم سرقته وضحكت عليه ولما ضغط على البنت وهددها انه مش هيمشيهم غير لما…ليتحمحم بحرج ويتلعثم ليزفر صقر بنفاذ صبر ويهدر بعدما تفهم مقصده: -فهمت قصدك…بس انا مالي ومال كل ده استأنف هاشم بأندفاع وهو يحاول تجنب غضبه: – استنى بس ياصقر هتفهم سيبني اكمل كلامي هدرصقر بنفاذ صبر: -اتفضل كمل وخلصني ليستأنف هاشم: -بعد تهديده ليهم البنت الصغيرة اعترفت ان ابوهم هو اللي سرقه بس هو مكتفاش بكده، مضى البنت على وصلات امانة وقال انه عمل كده علشان يضمن انهم ميبلغوش انه خطفهم ولولا ضغطي عليه مكنش مشاهم من الأساس ليستأنف بخزي وشعوره بالذنب يؤرقه وهو منكس رأسه: – يمكن اكون انا السبب لما قولتله أن البنت دي هي نفسها اللي جبتهالي المستشفى من ثلاث سنين سكن الجحيم عين صقر ونهض من جلسته يقبض على تلابيبه بعدما رفعه لمستواه وهدر بعدم تصديق: – البنت دي كانت فتون مش كده! هز هاشم رأسه بنعم وقال يحاول أن يخفف حدة الموقف: -والله ياصقر مكنتش اعرف انه خطط لكل ده غير لما أكرم قالي ليدفعه يجلسه من جديد وهو يحاول تهدئه ثوران انفاسه الغاضبة ويأمره بحدة: – كمل أسترسل هاشم: -فتون هي اللي حاولت تقتله عقد حاجبيه بعدم تصديق واستوحشت نظراته بغضب جامح ليضيف هاشم: – انا سمعتهم بيتكلمو ليقص عليه كل ما دار بين أكمل وفتون بالمشفى وعند انتهاءه أكد عليه: -البنت مظلومة ياصقر هي ضحية الظروف وأكمل هو اللي خطط لكل حاجة اديها فرصة تانية وبلاش تأذيها، وعلى فكرة أكمل بنفسه كان عايز يجيلك ويعترفلك بكل حاجة بس انا منعته علشان ظروفه الصحية صدقني أكمل ندم واتكسر بعد اللي حصل انا جيت أقولك وأخلص ضميري من ربنا والقرار ليك في الأخر وعند أخر كلمة تفوه بها رفع نظراته له وهو يطالع هيئته بتوجس و يتمني من كل قلبه ان يكون قد أقنعه ولو قليلًا أما عن صقرظل يعدو ذهابًا وايابًا كليث جريح يحاول ان يعاند الموت وكل حرف تفوه به هاشم يتكرر برأسه فقد فرك وجهه بيده بعنف ثم زفر الهواء دفعة واحدة يحاول ان يهدأ من غضبه الذي يتملك منه هادرًا بنبرة جهورية: -حتى لو مظلومة ومأذتنيش وكانت مضطرة ده ميبررش انها شريفة انا شوفتها مع فهد، وأكمل قالي انه رماها ليا بعد ما زهق منهاو قالي انها…ليصمت بخزي بعدما عجز لسانه عن التفوه بذلك اللفظ البذيئ ليرتمي على الكرسي المقابل له وبأنهاك يضع رأسه بين يده ينعي قلة حيلة قلبه أمام قناعاته الراسخة: -مش هقدر يا هاشم أقبل فكرة ان في غيري لمسها، غصب عني انا راجل ومن حقي الست اللي اختارها وتبقى شريكة حياتي ابقي انا أول راجل في حياتها غمغم هاشم بتأثر وهو لا يعلم بما يبرئها من ذلك ايضًا: -بس انت اتجوزتها خلاص، و بتحبها وهي كمان بتحبك لو تسمع كانت بتتكلم عنك أزاي هتعرف انا أقصد ايه فتون ضحية يا صقر وكل حاجة اتفرضت عليها، اديها فرصة تانية هز رأسه بنفي قاطع وهو يحاول أن يسيغ الأمر لعقله لكن عقله اللعين يأبي الإنصياع او الاستيعاب فامثله ككل الرجال في مجتمعنا يصدرون أحكام مسبقة من ظواهر الأمور…ليغمغم بضيق وهو يحاول إقناع نفسه اولًا بأسبابه: – انا اتجوزتها علشان سبب تاني مختلف، مش علشان بحبها، وجوازي منها بشكل مؤقت وعلى الورق بس مش زي ما أنت فاهم تنهد هاشم وقال وهو يربت على كتفه بدعم قبل أن ينصرف: -على العموم مهما كانت أسبابك انا عملت اللي عليا وخلصت ضميري والقرار ليك يا صقر ياريت متتسرعش وتظلمها زيهم وإن غادر هاشم تهدلت معالم وجهه بحزن واحتلها الألم ثم حاول جاهدًا أن يفكر و يعيد النظر بشأنها. ——————— على بعد مسافة قريبة من قصر العزازي كان يقف هو بهيئته المقيتة يتحدث مع أحد رجاله: – عملت ايه؟ ليخبره رجله برهبة بعدما تفحص المكان: -اللي انت طلبته صعب يا معلم جمال، ازاي بس هندخل القصر بتاعه انت مش شايف الحراسة عاملة أزاي ده غير الكاميرات المرشقة فكل مكان ليدفعه جمال بغل بصدره ويصيح بغضب: -انت غبي ومتفهمش أكيد في طريقة علشان اوصله و انتقم منه وأحرق قلبه حانت من رجله بسمة مستخفة هازئة وهو يتعمد النظر إلى وجه جمال المدمي كي يذكره: -ما بلاش يا معلم جمال الراجل مش سهل وحتى لسه معالم وشك ضايعة بسبب أذيته ليزمجر جمال غاضبًا ويدفعه من جديد بغل أكبر هادرًا بحقد وبنبرة متوعدة وهو ينظر الي قصر العزازي القريب من مرمى بصره: -هتشوف هعمل فيه أيه و مش هيأس وهفضل قاعد هنا لغاية ملاقي فرصة مناسبة وساعتها وحياة ست البنات لكون حارق قلبه عليها واذله زي ما ذلني وعملني فورجة للناس وضيع هيبتي. السادس والعشرون بعد إنصراف عمه وتركه لها بحجة أنها تستريح قليلاً اتجهت الى الحمام لتأخذ حماماً دافئ لعله يريحها قليلًا ويفك من تشنج عضلات ضهرها وبعد وقت ليس بقليل خرجت وهي تلف جسدها الضئيل بأحدى المناشف القاتمة العريضة الخاصة به وبعد أن جففت خصلاتها رفعتهم بفوضوية على هيئة كعكة مبعثرة وقبل خروجها من باب الحمام اشرأبت برأسها بتوجس تجول المكان بعيناها، وعند تأكدها أنها بمفردها خرجت بخطوات مسرعة الى غرفة ملابسه وهي تنوي أن تستعير منها وعند وصولها إلى هناك ظلت تشاهد ملابسه بأنبهار تام وعندما وجدت قنينة عطره تعتلى المنضدة دون أدنى تفكير تناولتها وتنثر القليل منها على راحتها ثم تضمها إلى صدرها بتنهيدة عميقة تحمل بطياتها الكثير من المشاعر لحين تردد صدى كلماته الطاعنة بالأمس بعقلها لتنكمش معالم وجهها بضيق واقنعت ذاتها أنها لن تبذل أي جهد بعد لتثبت له أي شيء فيظن بها كيفما شاء، فهي قد تعدت أقصي مراحل اليأس وبعد موقف أمه العدائي نحوها تأكدت انها لا تنتمي الى هنا، فمهما دافعت لن يصدق وسيلتزم بحديثه وينفصل عنها بعد أن يرمم سمعته كما أخبرها. وضعت قنينة العطر من جديد أعلى المنضدة وتسللت دمعاتها من جديد تنعي حالها، لتسير بخطى وئيدة الى خزانة ملابسه البيتية كي تستعير منها أي شيء يستر جسدها قبل أن يأتي ويظن أنها تتعمد إغوائه… في تلك الأثناء كان يدخل الى الغرفة بملامح قاتمة لاتعبر عن شيء وحين جال المكان بعينه لم يجدها ولكن عندما تناهى لمسامعه صوت شهقات خفيضة تأتي من غرفة ملابسه عرف مكانها ليتوجه الى هناك بخطوات ثابتة، وعندما وصل الى باب الغرفة تجمدت كل حواسه من هيئتها فكانت تلتف بمنشفته السوداء بأحكام مهلك يحدد بروز منحنياتها، وما لفت نظره حقاً هو نصاعة بشرتها المتشربة بالحمرة المغرية للغاية، وما زاد الأمر سوءٍ عليه هو ظهور جزء كبير من نحرها أمامه، لعن نفسه ولعن أفكاره ليحمحم ويستعد ثباته فهو ليس بهذا الضعف وسيقاوم إغوائها الرخيص مهما كلفه الأمر ليهتف بصوت رخيم يخفي خلفه الكثير: -بتعملي ايه عندك ؟ أغمضت عيناها بقوة وهي تلعن ذاتها فما حسبت حسابه حدث وكأن كل شيء تأمر عليها حتى جسدها الذي أنتفض من صوته وخذلها فقد التفتت وهي تتمسك بمقدمة المنشفة وهمهمت بخجل وهي تطرق رأسها بالأرض وتحاول جاهدة تحاشي النظر له: -آسفة كنت عايزة حاجة ألبسها تصنع هو البرود وهدر بحدة نابعة من فوران مشاعره: – مبحبش حد يلمس حاجتي، أخر مرة تدخلي هنا أبتلعت غصتها الموجعة وأومأت له وألتفتت لتخرج وإن تخطته نظر هو لظهرها بملامح خالية من أي تعابير ليباغتها بحدة وهو يقترب منها: -استني عندك توقفت هي ولكن لم تستدير له لتشعر بعدها بسخونة أنفاسه تلفح أسفل رأسها، أغمضت عيناها بقوة ثم انتابتها رجفة قوية عندما شعرت بملمس كفة الدافئ على بشرة ظهرها الباردة لتتعالى أنفاسها، وعندما تتحسس هو تلك الكدمة بظهرها تأوهت بألم وانكمشت ملامح وجهها دون قصد ألتفتت تواجهه لكن لم تجرأ على رفع نظراتها له ليسألها هو بملامح جامدة: – ايه اللي في ضهرك ده من ايه؟ فركت يدها بتوتر وبللت شفتاها بطرف لسانها ثم أدعت كذبة واهية لإقناعه فهي لا ينقصها نزاعات آخرى: -ده ولا حاجة ممكن من نومة الأرض ضيق عينه بشك وهدر بنبرة صارمة بعدما لم تنطلي عليه كذبتها الواهية: -متحاوليش تكدبي عليا، علشان أقدر أعرف بطريقي لترفع نظراتها إليه بتوجس تبحث عن دفئ عيناه ونظراته الحالمة المعتادة لها لكن خابت أمالها بعدما لاحظت قتامة عينه بشكل أرعبها كثيراً لتهمهم بتلعثم: -اتكعبلت و وقعت ليقول بثقة وهو يوليها ظهره وينوي الخروج: – مش مصدقك وعارف انك بتكدبي بس انا هعرف بطريقتي لينصرف بخطوات غاضبة أجفلتها إلى الخارج ويصيح بصوت جهوري على فوزية رئيسة الخدم لتحضر له بخطوات مهزوزة وهي تهمهم بخوف: – خير يا صقر بيه ليهدر هو بانفعال وبنبرة صارمة: – مين دخل الجناح بتاعي النهاردة وايه اللي حصل في غيابي تلعثمت هي وتصببت عرقاً خوفاً من رب عملها ولم تجرؤ على الإفصاح له خوفًا من جبروت هند -روحي انتِ يا فوزية شوفي شغلك هدر بها عمه بعدما تناهى الى مسامعه صوت صراخه و اتى مسرعاً لتنصاع له فوزية ويخبره عمه بهدوء وهو يجره من يده: -تعالى هنتكلم في المكتب وحين دلفو الى المكتب سأله صقر بنفاذ صبر: – ايه اللي حصل انا عايز اعرف؟ ليخبره محمد بضيق: -هند أهانتها، وأمرتها تنظف الجناح بتاعكم والبنت معترضيتش ولما طلعت على السلم زقتها من عليه علشان كانت فاكرة انها حامل وان ده سبب جوازك منها ولما حاولت أقولها هقول لصقر قالتلي أن انت قولتلها فتون متهمكش ولا تخصك نفرت عروقه بغضب جامح وكور قبضته يحاول أن يتمالك ثورته قدر المستطاع ثم نهض وظل يعدو أيابًا وذهاباً بخطوات قاسية تكاد تمزق الأرض تحتها هادرًا بأنفعال وبعدم استيعاب: -ازاي امي تعمل كده انا مش مصدق، طب افرض فعلاً ان فتون حامل مني فعلاً وان ده هو سبب جوازي منها، كانت برضو هتحاول تأذيها، انا مش قادر استوعب ازاي هي قاسية كده انا لازم اروحلها واتكلم معاها لينهض محمد ويمسكه من ذراعه ويقول بتوسل: -أهدى يا ابني الله يخليك علشان نعرف نفكر انا خايف هند تدور وراها، ويبقى بوظنا كل حاجة، انا خايف لو عرفت تأذيها قال صقر باندفاع بعدما تفاقم غضبه: -عمي، انا مقدر خوفك على فتون بس أمي مش هتوصل بيها كده، وبعدين احنا اتفقنا نتأكد الأول انها بنتك أومأ له عمه وأخبره بثقة: -انا متأكد انها بنتي ولو هعمل التحليل هعمله علشان اريحك بس تنهد صقر بضيق ثم قال: -أنا كلمت دكتور هيجي كمان شوية ياريت متحاولش تشككها في حاجة قولها انك عايز تطمن على صحتها أهم حاجة متشككهاش وانا فهمت الدكتور ومش هيفتح بؤه بكلمة غير انها فحوص عادية أومأ له عمه بتفهم لينصرف صقر من أمامه ويتجه يبحث عن هند ولكنه لم يجدها وعند سؤال الخدم أخبروه أنها لم تعود بعد من نزهتها الصباحية برفقة صديقاتها. ————————– دلف هو الى غرفة أكمل بالمشفى بخطوات هادئة استفزت الآخر الذي كان يكاد يفقد صوابه من كثرة الأنتظار لينهره بحدة وهو يعتدل بجلسته على الفراش: – يا برودك يا أخي انا هتجن من الصبح وانا بستناك وانت ولا على بالك وجاي تتمشى، انطق عملت ايه، قولت لصقر؟ همهم هاشم بهدوء وهو يجلس مقابل له على طرف الفراش: -ايوة روحت وحكيتله كل حاجة بس موقفه غريب بيقول ان هو اتجوزها مش علشان بيحبها ولا علشان ينتقم منها وقال ان عنده سبب تاني وقالي كمان ان جوازهم مؤقت وعلى الورق بس وانه عمره ما هيقبل يلمس واحدة حد غيره لمسها ليتمتم أكمل بضيق وبنبرة مترقبة: -هو انت مقولتلوش انها ملهاش علاقة بفهد وان انا اللي خططت لكل حاجة رد هاشم بسذاجة: -اه قولتله انها ملهاش علاقة بأتفاقكم عليه عقد أكمل حاجبيه بعدم فهم وهدر بحدة: – انت بتقول ايه؟اتفاق ايه وزفت ايه؟ وبعدين انت مش سمعت كلامنا يوم المستشفى، وعرفت اني انا اللي خططت لكل حاجة وان هي ملهاش علاقة بيه ليهدر هاشم بسوء فهم: – ايوة ما انا عارف، بخصوص الشغل يعني ليهدر أكمل بغيظ وبنبرة جهورية : -انت عايز تشلني، شغل ايه !انا بتكلم في حاجة تانية خالص انت شكلك جيت تكحلها عميتها الله يخرب بيتك ليقول هاشم بإنفعال وهو يشهر إصبعه بوجه أكمل: -ملكش دعوة ببيتي، ده جزاتي اني روحت بدالك، هو انا ايه يعرفني انكم تقصدو حاجة تانية انتم يومها كنتم بتتكلموا بكلام مختصر ومفهمتش حاجة غير انك اتفقت مع فهد ضد صقر وأن هي ملهاش علاقة بأتفاقكم عليه، ده اللي انا فهمته وانت بتقولها (انتي مكنش ليكِ علاقة بفهد وكل ده من تخطيطي انا) وده اللي قولته لصقر، وكمان قولتله ان ابوها كان بيستغلها، وانك انت اللي جبرتها وهددتها بوصلات الأمانة علشان تلعب عليه وبعدين ايه ان شاء الله الحاجة التانية دي اللي انت تقصدها وانا مفهمتهاش زاغت نظرات أكمل وأخبره بخزي من نفسه وشعور الندم ينهش به: -انا وهمت فتون اني هديها وصلات الأمانة بتاعتها واديتها عنوان فهد على أنه عنواني…وبعت صقر علشان يشوفها ويفهم أنها… نطق بكلماته الأخيرة بتقطع وخزي أكبر وهو مطرق الرأس حتى انه لم يستطيع استكمالها بسبب هبوب ثورة هاشم وقيامه بضرب الكومود الصغير بجانب فراشه بقدمه بقوة كبيرة أطاحت كل ما عليه، فيبدو أنه استوعب مدى غبائه وعدم ادراكه للأمر، ليهتف بعصبية مفرطة: – انت ازاي حقير كده! انا مش قادر أفهم أزاي وصلت بيك انك تطعن واحدة في شرفها كده، انا عمر ما جه في بالي ان الموضوع كده، انا دلوقتي عذرت موقفه، ليه حق مستحيل راجل يقبل على نفسه ده حتى لو كانت هي مظلومة لازم دليل قاطع يأما هيفضل طول عمره الشك مش هيفارقه وصدقني الشك ده ممكن يدمر أي علاقة مهما كانت قوتها من غير ذرة ندم واحدة… ليهمهم أكمل بخزي وبتقريع ضمير: – انا ندمت ياهاشم و عرفت غلطي و هحاول أكفر عنه، وان شاء الله صقر هيصدق الحقيقة وهيقتنع حانت من هاشم بسمة هازئة وباغته متهكمًا: – لو فدوة هي اللي مكان فتون كنت هتصدقها يا أكمل؟ أحتل الضيق تقاسيم وجهه ثم أطرق رأسه بخزي ولم ينبس ببنت شفه ليرمقه هاشم بنظرات غاضبة يتطاير منها الغضب و يؤنبه: – ربنا مبيرضاش بالظلم يا صاحبي زي ما وجعت قلوبهم ربنا وجعك وبعدها عنك، عمري ما هنسى الجملة اللي قالتهالك فتون يوم المستشفى قالتلك ( بدعي من ربنا تحس باللي حاسة بيه يتوجع قلبك زي ما وجعتني وظلمتني حسبي الله ونعم الوكيل فيك ) ومتهيألي ربنا أستجاب ليها وهتعيش عمرك كله بوجع القلب وتأنيب الضمير لينصرف هاشم غاضبًا تاركه يكاد يموت قهرًا من شدة ندمه فكلمات صديقه أصابته في الصميم. —————— كانت هي مازالت على هيئتها لم تغيرها تجلس على طرف الفراش الموازي للشرفة تمشط شعرها بواسطة الفرشاه وهي شاردة فتلك الذكرى الأولى التي جمعتهم لا تعلم لما الآن راودتها ربما لأن حالتها حينها لا تختلف كثيراً عن الآن فسابقًا كانت ايضًا يأست من حياتها…والآن هي أيضًا يائسة ولكن لأبعد حد، فداخلها حرب ضارية من التساؤلات! ترى إلى متى ستظل هكذا متى الخلاص من عذابها… لقد تحاملت كثيراً وعافرت كثيرًا لتحظى ببعض الأمان لكن كعادتها فقيرة حظ ويبدو أنها ستحيا تعيسة للأبد. دخل هو جناحه بخطوات حثيثة لم تشعر بها وتطلع لشرودها بتذبذب لا يعلم ما أصابه ودون أدنى تفكير جلس خلفها على الفراش ووضع القليل من الكريم الطبي الذي احضره خصيصاً لها على راحتيه وأخذ يدلك كدمتها ببطء وبحذر شديد شهقت هي بقوة وسقطت الفرشاه من يدها عندما شعرت بأنامله الدافئة تلمس ظهرها وعندما كادت أن تعترض وتنهض تمتم هو بنبرة هادئة وهو يتمسك برفق بذراعها: -أهدي يا فتون ومتخافيش الكريم ده هيريحك ويخفف الوجع حانت منها بسمة هازئة وأخبرته بتهكم بعدما التزمت سكونها من جديد: -مفيش حاجة تقدر تخفف وجعي متتعبش نفسك ظل هو يمسد ظهرها بهدوء ولم يعير حديثها أي أهتمام وظلت هي تكتم أناتها المتألمة قدر المستطاع وتتغاضى عن تأثرها بملمس يده وبعد عدة ثوانِ باغتها هو بسؤاله الذي صدر منه دون وعي ربما عقله الباطن هو من طرحه: -ليه مقولتليش ان أمي اللي وقعتك من على السلم؟ ألتفتت ونظرت له نظرة عميقة متمعنة تحمل بطياتها الكثير وأخبرته بنبرة تملك منها الآسى: -انا أقل بكتير من اني أعمل خلاف بينك وبينها همهم يؤنبها: – انتِ جبانة ومقولتليش علشان معندكيش ثقة فيا متحاوليش تبرري غامت عيناها وقالت بصدق و هي تنظر لكل شيء إلا هو: -يمكن أنت عندك حق أنا جبانة بس انا معرفتش يعني ايه ثقة غير معاك انتفض بقوة يوليها ظهره بعدما غزى الغضب ملامحه وتطاير الشرار من عينه ورد يستخف بحديثها: – وعلشان كده روحتي اترميتي في حضن فهد مش كده كانت تنوي عدم الدفاع عن نفسها ولكنه مازال على موقفه ويطعن في شرفها لذلك فاض الكيل بها فقد نهضت و وقفت مواجه له وهدرت وهي تحاول لملمت حطامها: – أكمل هو اللي باعتني لهناك علشان أخذ وصلات الأمانة اللي كان بيهددني بيها ومكنتش أعرف انه ناوي يبعني لفهد لترفع سبابتها بوجهه وتضيف بشراسة قتالية: -انا مش كده، ولا عمري هكون كده انت متعرفش ان كنت بتعرض لإيه انا كنت بكافح وبعافر أد إيه علشان أحافظ على نفسي هدر هو بعدم أقتناع وبنبرة جهورية حادة وهو يركز نظراته عليها ويتمسك بفكها بقوة الذي ينطق بالترهات فكيف يصدقها رغم أن كل شيء يدينها: -كدابة انا شوفتك بعنيا معاه نفضت يده بكل ما أوتيت من قوة و ردت بأنفعال وبنبرة هستيرية وهي وتقبض على قماش قميصه بعدما طفح الكيل بها: – قولي شوفت ايه هاااااا رد عليا؟ انا كان هدومي مقطعة، وانت دخلت على صريخي ومقاومتي ليه، قولي شكلي كان شكل واحدة رايحة برضاها الحيوان كان بيحاول يعتدي عليا ومنعته بكل قوتي ولما شوفتك حمدت ربنا و قولت جاي تحميني وتنقذني منه لتضربه بصدره بقبضتها عدة ضربات وتستأنف بنبرة هستيرية على حافة الانهيار: -انا كنت هترمي في حضنك واستنجد بيك، لكن انت عملت زيهم كلهم وجيت عليا واتخليت عني وظنيت فيا السوء وبرغم كل ده عذرتك وقولت زيك زي أي راجل الغيرة عمت عنيه حتى لما جيت واتجوزتني مكنتش مصدقة كنت طايرة من الفرحة وفاكرة انك لسه بتحبني وصدقت اني مظلومة، كان عندي شكوك بس كنت بكدب نفسي انك ممكن تأذيني لكن انت استكترت عليا الفرحة دي ومكتفتش قعدت تجرح فيا وتقولي كلام عمري ما تخيلت اني أسمعه منك انت، وبعد كل ده هند هانم العزازي تيجي تكمل عليا وفاكراني حامل منك وتقولي ان انا مخصكش، هو للدرجة دي كلكم شايفني رخيصة ومليش قيمة كانت تتحدث بأندفاع وكأنها انفجرت لتوها ودمعاتها تتهدل بحرقة كي تنعي حظها أما عنه كان يستمع لها وقلبه يتألم مع كل حرف تتفوه به، فحديثها لامس اوتار قلبه وبشدة وشعر بصدقها وتأثر كثيرًا حتى انه ازاح الغضب من عينه وأستبدله بالدفء التي أعتادت عليه منه ودون أدنى تفكير جذبها من ذراعها وأحتضنها بقوة وبعاطفة جياشة جاهد كثيرًا لكبحها، لتتعالى شهقاتها بين أحضانه، ويضمها هو الى صدره أكثر ويعتصر بيده جسدها بحماية وكأنه يريد ان يخفيها بين ضلوعه ويتألم بدلًا عنها أما هي لن تشعر بألم ولابكدمة ظهرها أثر تشبثه بها بقدر ما شعرت بالأمان وبنجاحه في أحتوائها ليربت بحنان مبالغ به على ظهرها يحاول أن يهدئها قائلًا بصوت رخيم: -شش…أهدي…خلاص متعيطيش…أهدي يافتون وعندما هدأت شهقاتها تدريجيًا فصل العناق دون أن يترك مسافة لمرور الهواء بينهم ومرر أبهامه على وجنتها بهدوء مثير للغاية يمسح دمعاتها، لترفع هي نظراتها إليه ويستشف هو صدق بَين بها لتنتفض دواخله لآثارها وينتقل بكفه لمؤخرة رأسها يريد ان يثبت نظراتها عليه ودون وعي وجد نفسه يقترب من وجهها وكأنه مغيب بسحرها…ولكن هي كانت ذهنها حاضر مع ردود فعلها فلن تدعه يستنزف ما تبقى منها فقد دفعته عنها وهدرت بصوت متحشرج كي تلمم ما تبقى من حطامها بعدما تردد صدى حديثه الجارح خاصًة الأمس بعقلها: -وفر…شفقتك عليا مش عايزاها أنا مقدرة اللي عملته علشاني بس كتر خيرك أوي لغاية كده…ولو فاكر إني اتكلمت معاك علشان استعطفك واخليك تصدقني…مبقاش يفرق بالنسبالي عارف ليه علشان أنت اثبتلي أن كلكم زي بعض كل واحد فيكم استغلني بطريقته وأنت بجوازك مني ما فرقتش عنهم ابتلع ريقه بعدما ذهل من هجومها وعقب عليه بإنفعال وهو يتمسك بذراعيها ويهزها: -قوليلي إيه التميز اللي كان مفروض أعمله…كان مطلوب مني افهم واستوعب أن البنت اللي حبتها وكنت هتجوزها بتستدرج الرجالة وكمان كان مطلوب مني استوعب لما روحت بيت الكلب ده ولقيتك في اوضة نومه مش كده هاتيلي راجل على وش الأرض يقدر يستوعب ده ويصدق أنك مظلومة حانت منها بسمة ممزقة تنعي بها حالها وهي تنفض يده وتبتعد عنه خطوتان للخلف تخبره باستسلام وكأن من شدة يأسها لم يعد يعنيها شيء: -مبقاش يهمني قولتلك تصدق أو لأ كده كده فراقنا محتوم وكلها أيام والتمثلية السخيفة دي تنتهي زمجر غاضبًا وكاد يرد عليها لولآ ان طرق باب الغرفة، ليندفع إليه ويهتف بصوت منفعل فور أن فتحه: -أفندم يا فوزية عايزة ايه؟ أطرقت فوزية رأسها بالأرض بحرج وهمهمت: -آسفة يا صقر بيه بس محمد بيه عم حضرتك عايز فتون تروحله أومأ لها بتفهم وهو يتذكر مجيء الطبيب ليتسأل بترقب: -أمي جت ولا لسه ردت فوزية بأحترام: -لسه حضرتك مجتش اول ما تيجي هبلغ حضرتك أومأ لها من جديد وأشار لها لتنصرف وأغلق الباب وألتفت اليها قائلًا بنبرة جاهد أن تكون هادئة كي لا تعكس ثورة دواخله من مجرد فكرة ابتعادها عنه: -هنكمل كلامنا بعدين علشان عمي عايزك، ياريت تروحيله في أوضته…ليرمق هيئتها التي تثير جنونه ويزفر أنفاسه دفعة واحدة وهو يضيف: -بس الأول تعالي ورايا لتتنهد هي بضيق وتتبعه الى زاوية خاصة بالجناح وعندها فرغت فاهها بعدما فتح أحدى الخزانات الكبيرة بالغرفة فكانت تحوي على ملابس نسائية كثيرة لكافة الأوقات بكافةمستلزماتها لتهمهم متسائلة: -إيه كل ده بتاع مين؟ اجابها هو بنبرة هادئة وهو يتحاشى النظر لها: -بتاعك يافتون أشترتهم مخصوص ليكِ وفي حاجات تانية بس لسه موصلتش من باريس رددت ببسمة تسخر بها من نفسها قبل أي شيء: -باريس…أزاي يعني؟ انت أكيد بتهزر انا أخري بلبس من الناس اللي بتفرش على الرصيف في سوق الجمعة عادي وبعدين انا مقدرش أقبلهم دول شكلهم غالي اوي، انا هكلم كوثر تجيبلي هدومي زفر هو بضيق من حديثها وهدر بنفاذ صبر: -متعصبنيش وأسمعي الكلام من غير نقاش وبعدين لازم مظهرك يليق بيا اعتلى حاجبيها وهمهمت بعدما ايقنت أنه فعل ذلك ليس من أجلها بل من أجل أن لا تسيء لمظهره الأجتماعي: -لما همشي مش هاخد حاجة معايا ابتلع ريقه ببطئ شديد من سيرة الفراق التي لا تنفك عنها وكأنها تؤيد قراره الذي يقسم انه لن يقوى عليه فقد تنهد بتثاقل ودون أن يعقب على جملتها هدر: -النهاردة بليل في صحفين جاين عايزك تجهزي علشان هتنزلي معايا ومش عايزك تفتحي بؤك بكلمة كل اللي تعمليه انك تبتسمي ومتنسيش إحنا قدام الناس متجوزين و…المفروض بنحب بعض نطق بجملته الأخيرة وهو يتحاشى النظر لها…بينما هي رددت جملته بسخرية مريرة وهي تحاول أن تبدو ثابتة: -المفروض…لأمش هنسى متقلقش… تأمرني بحاجة تانية هز رأسه لها بشيء من الأرتباك ثم فر من أمامها ولكن قبل خروجه انحنى بجانب الفراش وألتقط ذات الفرشاة التي استخدمتها وعلق بها بعض الشعيرات منها…لتزفر هي بضيق أنفاسها بعدما استمعت لصوت غلق الباب وتدعوا الله أن يرأف بحالها. ——————- تنهد بأرتياح بعدما وصل أمام باب شقته وهو يمني نفسه أنه سينال القليل من الراحة بالقرب من ملكة قلبه فبعد كل ما دار اليوم انتابه الضجر كثيرًا وارد ان ينعم ببعض الهدوء وعندما تناول مفتاح الشقة وفتح الباب تفاجئ من الفوضى العارمة التي حلت بالمكان وقبل أن يفتح فمه ويصدر أي ردة فعل أصطدمت بوجهه أحدى الوسادات الطائرة التي كانت تقذفها هي بأتجاهه: -انا هوريك ازاي تقفل الباب وتحبسني، انت فاكر نفسك ايه؟ صاح وهو ينحني بخفة كي يتفادي الوسادات الآخري التي تناوبت بقذفها عليه: – يا مجنونة اهدي…في حد عاقل يعمل كده هدرت هي بعصبية مفرطة: – انت لسه شوفت جنان والله العظيم لهدغدغ البيت على دماغك لتتناوب بقذف كل شيء يأتي أمامها على الأرض بقوةوتتعمد كسره، من تحف باهظة وفازات كرستالية وغيره من مقتنياته الثمينة ليزمجر هو غاضبًا: – كفاية…انتِ عارفة الحاجات دي عزيزة عليا بطلي جنان زمت فمها بغيظ وخطت بخطوات حثيثة يشوبها الحذر وصعدت على احد مقاعد الصالون ومدت يدها لأعلى الحائط وتناولت ذلك الأطار الذهبي المعلق الذي يحاوط صورة زواجهم وبعد أن انزلته ولوحت به أمامه تطالع ملامحه المشدوهة بتحدي سافر و تترقب ردة فعله. ليصرخ هو: – لأ انتِ بتهزري اكيد…مي حبيبتي أهدي دي صورة فرحنا بلاش تزعليني ورجعيها مكانها هزت رأسها برفض وهدرت بعناد: -لأ…هات مفتاح الشقة الأول وسيبني أرجع بيت ماما ليقول هو بنفاذ صبر: – قولتلك مفيش خروج من هنا غير لما تولدي تأففت هي كعادتها بعدم رضا وصرخت به: – ده مستحيل انت أزاي عايزني أقعد كل ده محبوسةهنا…مش هيحصل تقدم هو نحوها ببطئ يريد ان يسيطر على نوبتها الهستيريةتلك التي من الممكن أن تضر بها و بجنينها وهمهم بنبرة مسايرة: -خلاص يا حبي هريحك وأعملك أي حاجة انتِ عايزاها بس إلا موضوع السفر ده ابتسمت هي بأنتصار وهتفت بأصرار وهي مازالت تحتضن الإطار وتخطو خطى واسعة تتنقل من أعلى المقعد الى المقاعد التي تجاوره: – رجعني بيت ماما هقعد هناك، وعايزة ورقة طلاقي توصلي بعد ولدتي وفي الوقت د مش عايزة أشوف وشك، انت اللي ليك البيبي وبس وانا مش هحرمك منه وهخليك تشوفه زفر هو بنفاذ صبر وتعالت انفاسه بأنفعال واضح من تلك العنيدة التي تكاد أن تفقده صوابه ودون أي تردد أندفع إليها بسرعة ونزع صورتهم التي يحتضنها الإطار منها وقذفها بكل قوته على الأرض مما أدي الى هشيم بروازها فلم يتبقي منه غير بقايا زجاج متناثر، و دون أي مقدمات منه آخرى كان يحاوط خصرها ويحمل جسدها كي ينزلها من أعلى المقعد هاتفًا من بين أسنانه بوعيد بنبرة أرعبتها كثيراً: – بطلي شغل القرود ده، وحسي بالمسؤولية شوية ناحية اللي في بطنك ولعلمك بقى انا طلاق مش هطلق ومش هتمشي من هنا ولو حصل ونشفتي دماغك ومشيتي، قسم بالله يا مي لكون طالبك في بيت الطاعة ومرجعك هنا غصب عنك. ليتركها وينسحب بخطوات غاضبة الى غرفة نومه ويغلق خلفه الباب بعنف نفضها لتنظر الى الباب الذي أغلقه بنظرة ضائعة ثم بعدها جلست بتهاون على المقعد مشدوهة بفضل ما تفوه به وفاق توقعاتها. ——————– في نفس التوقيت في فرنسا وخاصًة في باريس عاصمة الموضة والجمال كانت تجلس هي في أحد المطاعم العريقة القابعة بشارع الشانزليزيه، فبعد انتهاء يوم عملها اتت الى هنا بمفردها كي تتناول العشاء، فبعد ما حدث وتركها للبلاد وهي تفضل العزلة كثيرًا حتى إلحاح آسر المستمر بأنضمامها لحفلاته و عروضه الصاخبة لم يؤثر عليها تنهدت بعمق وهي تستمع الى صوت فيروز الخفيض الذي يصدر من هاتفها بهدوء يريح الأعصاب فها هي مثل عادتها عندما تريد الأختلاء بذاتها. (يا طير يا طاير على طراف الدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني يا طير وآخد معك لون الشجر ما عاد في إلاّ النطرة والضجر بنطربعين للشمس عبرد الحجر وملبكي وإيد الفراق تهدني يا طير وحياة ريشاتك وإيامي سوا وحياة زهر الشوك وهبوب الهوا إن كنّك لعندن رايح وجن الهوا خِدني ولنو شي دقيقة وردني يا طير) شعرت ان كلمات تلك الأغنية لامست كافة حواسها و ان قلبها يتأكل من القلق عليه وخاصًة بعد أن أخبرها آسر بما حدث وسوء حالته الصحية يوم أن تركته… وهنا نفضت أفكارها وظلت تشجع وتدعم نفسها من جديد: – انا قفلت صفحته خلاص ومش هفكر فيه تاني… لتراودها تلك الذكرى القريبة عندما كان يتوسلها، تقسم أنها مازالت الى الآن تتردد كلماته المتوسلة بأذنها دون انقطاع لتتنهد بعمق تحاول أن تستعيد عزيمتها السابقة لكن دون أرادة ودون أي تفكير تناولت هاتفها وضغطت على شاشته بأنامل مرتعشة تطلب رقمه التي تحفظه عن ظهر قلب وهي تقنع نفسها أنها فقط ستستمع لصوته ليس إلا. كان هو في تلك الأثناء يلتزم غرفته داخل المشفى، ونظرًا لتحسن حالته نسبيًا نهض من الفراش واتجه نحو النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية للمشفى لعله يكسر ذلك الملل فقد استنشق نفس عميق من عبق الزهور المنتشر بالأجواء ثم رفع نظراته للسماء وظل يتأمل كحلتها لعدة دقائق ويشاهد أبداع الخالق في كونه وعندما وقعت عينه على تلك النجمة اللامعة البعيدة لاحت منه بسمة باهتة وهو يتذكرها، معشوقته ومن تربعت على حصون قلبه وعندها تمتم يناجي ربه بقلب نادم أضناه الفراق: – يارب انا ندمت سامحني وأغفرلي، انا راضي بقضائك، يارب بلاش يكون عقابي اني أتحرم منها وعندها انسابت دمعاته دون ارادة و هو يشعر بمدى حاجته لها وإن تعالى رنين هاتفه تناوله دون أهتمام و بلامبالاه رد وهو يمسح وجهه بكف يده: -الو مين؟ تنهدت هي بأرتياح ولم تنبس ببنت شفه وأكتفت فقط بسماعها لتلك الكلمتين منه وصوت أنفاسه ليهتف هو من جديد: -الو لتبتسم متنهدة وتنوي أن تغلق الخط -فدووووووة باغتها هو بلفظ أسمها بنبرة ملتاعة حارقة يشوبها الأشتياق شهقت هي بخفوت عندما تفاجأت انه علم هويتها وتساقطتت دمعاتها دون وعي ولم تتفوه بشيء ليهمهم هو من جديد بنبرة متألمة وكأنه يتأكد كونها هي: -وحشتيني أوي انتِ فكرك لما متتكلميش مش هعرف انه انتِ، انا بعرفك من صوت أنفاسك يا فدوتي وضعت يدها على فمها تحاول أن تكتم شهقاتها وتكبح دمعاتها وظلت ملتزمة بصمتها ليهمهم هو بتوسل وبنبرة ضعيفة متألمة من جديد: -ردي عليا يافدوة قولي كلمة واحدة تبرد نار قلبي وتديني أمل في رجوعك، انا محتاجك يافدوة …والله محتاجك لم تقوى بعد تلك الكلمات التي تلفظ بها على التماسك أكثر ودون أي تردد أغلقت الخط وتبعته بأغلاق الهاتف نهائيًا لتضع يدها على خافقها رغبة منها أن تهدأ صرخاته و عندما فشلت أطلقت العنان لنفسها ان تفرغ كل ما بجعبتها من بكاء مختزن أما هو فقد قذف الهاتف على الفراش بقوة بعدما يأس من محاولاته الشتى بمعاودة الاتصال بها ليتهدل جسده و يكوب رأسه بين يديه وهو يلعن غبائه وينعي حظ قلبه المدمي بعشقها. ———— بعد استعداده وتأنقه المبالغ به علم من أحد الخدم بعودة والدته وتواجدها بغرفتها، ليتوجه الى هناك بخطوات حازمة وعندما طرق الباب وسمحت له بالدخول باغتته هي بحدة: – هو انا أخر من يعلم يعني ايه أغيب كام ساعة أرجع ألاقي القصر بالفوضى دى انت ليه مقولتليش علشان استعد تنهد هو وجلس على طرف فراشها وأستند بمرفاقيه على ساقيه وهدر بجدية دون ان يكترث لكلمة واحدة مما تفوهت به: – ليه حاولتي تأذي فتون؟ رفعت هي جانب فمها بأمتعاض وهدرت مستنكرة: -محصلش…انا مجتش جنبها هي اللي اتكعبلت ووقعت – اتكعبلت ووقعت منين يا أمي؟ أجابته بتوتر بعدما زاغت نظراتها: – من على السلم انا دخلت عليها لقيتها بتنظف ولما سألتها قالت ده بيت جوزي ولازم أهتم بيه وبصراحة مرضتش أمنعها لأنها مفرقتش حاجة عن الخدمات اللي عندنا سكن الجحيم عيناه ونفرت عروقه من شدة الأنفعال بعدما لم تنطلي عليه كذبتها الواهية وارد أن يصرخ بها لكنه لا يستطيع أن يقلل من أحترامه معها فهي أمه رغم كل شيء ليحاول التحكم في زمام نفسه وهو يخبرها: -لأ فرقت يا أمي وفرقت كتير، فتون تبقي مراتي…ومهما كان وضعي معاها أو السبب اللي اتجوزتها علشانه مش هيغير من كونها تبقى مراتي وكرامتها من كرامتي وطول ما هي على ذمتي مش هسمح لحد يهنها ولا يقلل من شأنها لتهدر هند بسخط وبنبرة متهكمة: – انا كنت عارفة أن بنت الشوارع دي هتعرف تأثر عليك وتخليك لعبة في ايديها هب وباغتها بحدة بعدما تفاقم غضبه: -امـــــــــــــــــــــــــــــــــي لأخر مرة بقولك فتون مراتي ومش هقبل عليها كلمة طول ما هي على ذمتي، وياريت انتِ تراعي ده وتخلي بالك من كلامك عنها وبتمنى متحطيهاش في دماغك وتمارسي عليها جبروتك لتهدر هي بلؤم تحاول تستعطفه: -بتعلي صوتك عليا يا صقر بعد كل اللي عملته علشانك وبتتعصب عليا علشان واحدة زي دي ليستأنف صقر بنفاذ صبر بعدما مل من طريقتها المبتذلة لاستعطافه: – امي لو سمحتي انا مبحبش الطريقة دي وانتِ عارفة، ومش كل مرة تقوليلي عملت علشانك انتِ معملتيش حاجة علشاني انتِ اتحملتي قسوة ابويا وأهانته ليكِ علشان خاطر ثروته مش علشان حاجة تانية، وياريت كفاية تحمليني فوق طاقتي وتحسسيني ديمًا بالذنب هذا أخر ما تفوه به قبل أن ينصرف ويتركها تستشيط غيظًا فقد فاجأها كثيرًا بردة فعله وكشفه لحيلتها الماكرة. ———————- بعد أن رافقت عمه أثناء تواجد الطبيب بغرفته ونظرًا لقلقه أصر على ان يطمأن عليها ويتم عمل بعض الفحوص الروتينية لها وأخبرها أن ذلك القلق ناتج من شحوبها وهزالتها الواضحة إنصاعت له دون تردد وهي تشعر بالأمتنان لشخصه الحنون ولم ينتابها أي شكوك حوله وبعد إنتهائها اتجهت لتتجهز كما أمرها صقر وبعد بضع دقائق انتهت من الاستعداد ووقفت تلقي على نفسها نظرة أخيرة بالمرآة تزامنًا مع دخوله إليها بطلته المهيبة وحين وقعت عينه عليها تجمد بأرضه وأحتبست أنفاسه لثوانِ معدودة من شدة فتنتها فكانت ترتدي فستان بنفسجي فائق الجمال منساب على جسدها بأنسيابية مهلكة، أما عن شعرها فقد رفعته على شكل ذيل حصان مرتب يتأرجح مع خطواتها وكأنها تعمدت أن تعانده و تثير أعصابه وتجعل الدماء تندفع إلى رأسه بسبب كشفها المغوي لعنقها..ورغم ذلك ألتزم ثباته حتى لايشعرها بتلك النيران المندلعة به ليتحمحم بنبرة جاهد لتكون هادئة ولا تفضح مكنونه نحوها: – جاهزة أومأت له بملامح جامدة دون أن تكلف ذاتها عناء الابتسام ليتنهد بعمق ثم يمد يده بجيب بنطاله ويتناول علبة صغيرة مخملية اللون ظنت هي انه نفس الخاتم الذي رفضتت أن تقبله سابقًا لكن خابت ظنونها عندما فتح العلبة وظهر منها خاتم ماسي آخر مختلف كليًا عن السابق ولكنه يضاهيه في روعته وبريقه ليتناوله ويلبسها اياه بألية مطلقة ثم حثها بعينه أن ترافقه، وما أن وقفت معه على مقربة من موقع ذلك الحشد من المصورين بادرت وشابكت يدها بخاصته لتتجمد ملامحه من فعلتها وقبل أن يعلق أو يخطو خطوة واحدة بها وجدها تتعلق بيدها الآخري بذراعه وكأنها تريد أن تخبره بطريقة محثوثة أنها ستتقن دورها… لتتعلق نظراته بتلك البسمة المصطنعة التي لم تلمس عيناها قط وكأنها اغتصبتها فقط لثغرها…ليزفر أنفاسه الحانقة ثم يتقدم بها فيبدو أنه أدرك اخيرًا الفرق بين صدقها واصطناعها. ——————— بعد انتهاء اللقاء الصحفي الذي دام لأكثر من ساعتين وظلت الأسئلة تنهال عليه دون إنقطاع لكنه كان ملم بكل شيء وكان يجيب بدبلوماسية ولباقة أدهشتها كثيرًا وبرغم أن الأضواء الصادرة من كاميرات المصورين أربكتها، إلا أن محاوطته لخسرها و قربه منها ساعدها كثيرًا وأشعرها بالطمأنينة وعندما كانت تتقابل أعينهم كان يطالعها بشكل مثير للغاية وبنظرات حالمة ترجف أوصالها تنهدت بعمق وهي تصعد السلم المؤدي الى الجناح الخاص به بعدما أمرها هو برفق أن تسبقه وانه سيوافيها بعد دقائق وعندما دلفت الى داخل غرفة النوم تمددت على الفراش وظلت تركز نظراتها على نقطة وهمية بسقف الغرفة تتذكر نظراته ولمساته لها وقلبها البائس يخبرها أنه لم يكن يتصنع الأمر بل كان صادقًا. وحين كانت هي مستغرقة في أفكارها باغتها صوت مقيت تعلم صاحبه تمام المعرفة: – فكرك مش هعرف أوصلك يا ست البنات انتفضت بقوة وشحب وجهها ثم نطقت برعب وهي تتراجع للوراء بخطوات متعثرة: -جمال… السابع والعشرون بعد انتهاء اللقاء الصحفي الذي دام لأكثر من ساعتين وظلت الأسئلة تنهال عليه دون إنقطاع لكنه كان ملم بكل شيء وكان يجيب بدبلوماسية ولباقة أدهشتها كثيرًا وبرغم أن الأضواء الصادرة من كاميرات المصورين أربكتها، إلا أن محاوطته لخسرها و قربه منها ساعدها كثيرًا وأشعرها بالطمأنينة وعندما كانت تتقابل أعينهم كان يطالعها بشكل مثير للغاية وبنظرات حالمة ترجف أوصالها تنهدت بعمق وهي تصعد السلم المؤدي الى الجناح الخاص به بعدما أمرها هو برفق أن تسبقه وانه سيوافيها بعد دقائق وعندما دلفت الى داخل غرفة النوم تمددت على الفراش وظلت تركز نظراتها على نقطة وهمية بسقف الغرفة تتذكر نظراته ولمساته لها وقلبها البائس يخبرها أنه لم يكن يتصنع الأمر بل كان صادقًا. وحين كانت هي مستغرقة في أفكارها باغتها صوت مقيت تعلم صاحبه تمام المعرفة: – فكرك مش هعرف أوصلك يا ست البنات انتفضت بقوة وشحب وجهها ثم نطقت برعب وهي تتراجع للوراء بخطوات متعثرة: -جمال… شمل هيئتها بنظراته الحاقدة ثم هدر بعيون تقدح بالشر: -اه جمال اللي خد على قفاه واتخدتي منه بالعافية ولوي الدراع هزت رأسها بقوة وهمهمت بذعر: – انت أزاي دخلت هنا؟ ليجيبها هو بفخر أجرامي وبنبرة شيطانية: – البيه بتاعك فاكر نفسه واعي أوي ومشغل عنده رجالة تسد عين الشمس ومتفوتش الدبانة بس على مين ده أنا جمال لتحين منه ضحكةساخرة و يتشدق بعدها: -والله البيه بتاعك ده مغفل وانا قررت أكسر عينه و اعلم عليكِ وانتقم منه على اللي عمله فيا ليغمز لها بمغزى تفهمت معناه من نظراته الجائعة…لتنفي برأسها وتتراجع للخلف وإن كادت تصرخ أنقض عليها وكتم أنفاسها مهسهسًا: -عايزة تصوتي يا ست البنات مكنش العشم برضو وبعدين متتعبيش نفسك الناس تحت لاهين في الهَلمة و محدش هيسمعك ولا هينجدك مني حتى المغفل بتاعك -انا شايف أن مفيش حد مغفل هنا غيرك ياجمال قالها صقر بعدما ظهر له من العدم وأنقض عليه يلكمه بقوة كي يبعده عنها…شهقت هي بقوة وحاولت ألتقاط أنفاسها التى كانت تكتمها يد ذلك المقيت ثم انزوت بأحد الأركان تحتضن ذاتها تقاوم تلك الرجفة اللعينة الملازمة لخوفها. ارتد جمال للخلف ثم استعاد توازنه سريعًا هادرًا بغيظ بعدما أشهر مديته: -انت بتطلعلي منين عليا النعمة المرة دي لأجيب أجلك وإن كاد أن يخطو نحوه وفي لمح البصر كان صقر ينقض على يده ويقبض عليها بكلتا يديه ورغم أنها جرحته بيده أثناء ضربها اعلى ركبته إلا أنه لم يهتم وظل يضربها عدة ضربات كانت كفيلة بوقوع مديته على الأرض ومن بعدها زمجر صقر وبكل قوته كان يقبض على رسغه يلويه بقسوة هادرًا: -ده علشان تحرم تلمس حاجة تخصني ليصرخ جمال بقوة وهو يشعر بطقطقة عظام انامله تحت يده في حين صرخت هي: -كفاية يا صقر بلاش تورط نفسك بأذيته لوهلة تعلقت عيناه بها كانت كفيلة أن تجعله ينصاع لها فقد دفعه بقوة نحو رجاله الذين تلقوه بين ايديهم وشلوا حركته وحاوطوه من كل جهة ليهدر جمال بغضب وهو يتلوي بجسده منهم: -ابعدوا عني مكتفني كده ليه انا معملتش حاجة…سيبوني ليقول صقر بأنفاس غاضبة: – انت غبي يا جمال ومبتتعلمش… ومش عارف أيه الجرأة اللي عندك دي اللي تخليك تيجي لغاية هنا بعد اللي عملته فيك اجابه جمال بنبرة حاقدة: -مش جمال اللي يبات ليه حق بره يا باشا… وأنت اللي جريت شكلي وخدتها مني وضيعت هيبتي وخليني فورجة وسط ناسي بعد ما كانوا بيعملوا ليا ألف حساب ليعقب صقر بحدة وبصوت رجت له جدران المنزل: -وجيت علشان تاخد حقك منها مش كده فاكرني غبي زيك انت لو فكرك إن انا معرفش انك بتحوم حوالين القصر انت و واحد من رجالتك تبقى غلطان انا من أول ما رجليك خطت عتبة بيتك وانا عندي علم حتى الأمن انا اللي أمرتهم و خلتهم يسهلوا دخولك وكنت عارف انك هتيجي في التوقيت ده وتستغل الزحمة والدوشة اللي كانت تحت، والله ياجمال انا بشفق عليك ومش عارف بصراحة هيحكموك أزاي بكل الجرايم دي حيازة سلاح ابيض، والتهجم على ممتلكات خاصة وكمان محاولة سرقة بالأكراه ليهدر جمال بغيظ وهو يحاول أن يصل اليه ويتملص منهم: -محصلش انا مسرقتش حاجة ليجيبه صقر بدهاء: -هو ده يفوتني برضو أعتبر نفسك سرقت ليناوله أحد رجاله حقيبة صغيرة تحوي بضع الأوراق المالية ومقتنيات خفيفة للغاية ويضعها حول رقبة جمال بعنف تحت مضضه وعند إنتهائه رتب صقر على صدره بقوة وأخبره بتشفي: -ربنا معاك…اه نسيت أقولك يا جمال ان أهالي المنطقة عملوا محاضر ضدك وطبعًا ده بمساعدتي، وكل واحد أفتريت عليه و نصبت عليه وخدت منه قرش القانون هيجبله حقه منك تالت ومتلت… شوف بقى لو جمعنا عقوبتك على كل الجرايم دي هتبقى كام سنة ده مش بعيد تبقى تأبيدة يا راجل . وعند انتهاء أخر كلماته زمجر جمال وكأن يتمنى وقتها لو يفتك به وقبل أن ينطق بكلمة واحدة أندفعوا رجال الشرطة وتم تسليمه لهم وتم القبض عليه وعند وضع أحدهم الأصفاد الحديدية بيده تقدم منه صقر ولكمه بقوة عاتيه بعينه جعلته يصرخ بعويل كالنساء على آثارها هادرًا بتشفي بعدها: -دي علشان بس بصتلها بصه مش كويسة ومعجبتنيش ليسحبوه رجال الشرطة الى الخارج وهو يصرخ بوعيد: – مش هسيبك يا صقر يا عزازي مش جمال اللي تأكله الأونطة ليبتسم صقر ساخرًا من تهديده الواهي ويتشكر الظابط المسؤول ويخبره انه سيأتي بالصباح الباكر كي يستكمل أجراءات البلاغ وحين انصرفوا أقترب منها يطالع ارتجافها وشحوب وجهها بنظرة مطمئنة قبل أن يضمها الى صدره بقوة ويضع قبلة حنونة على مقدمة شعرها ويهمهم بحنو نابع من قلبه الذي بالفعل ميز صدقها و رق لها: -متخافيش من هنا ورايح محدش هيعرف يأذيكِ وانا على وش الدنيا وكل اللي أذوكِ وجم عليكِ هخدلك حقك منهم ليشرد لوهلة ويضيف بشك يساوره ويخشى أن يتحول ليقين: -و حتى لو كانو أعز الناس عليا هجبلك حقك منهم تمتمت هي دون أن تنتبه لمغزى حديثه بنبرة مرتجفة مازالت تحمل بقايا خوفها وهي ترفع يده ترى جرحها: -أنت بتنزف… نفى برأسه وأجابها وهو يربت على ظهرها: -متقلقيش ده جرح بسيط هزت رأسها واستسلمت لعناقه مغمغمة: -أنا كنت خايفة أوي لو مكنتش جيت كان… وهنا لم تتستطيع حتى تخيل الأمر لتجهش بالبكاء وتتشبث به مغمغمة باحتياج وهي تدفن وجهها بصدره كي تنعم بذلك الآمان الذي لطالما حُرمت منه: -خليك جنبي يا صقر ابتلع هو ريقه ببطء شديد يحاول جاهدًا أن يتمالك نفسه ويتحكم في ثوران مشاعره وتأثره بها ليتحمحم بتحشرج كي يفض ذلك القرب المرهق له قبل أن تضعف ارادته: -فتون متصعبهاش عليا وعليكِ روحي ارتاحي ونامي علشان النهاردة أنتِ تعبتي وهنا لعنت غبائها وما تفوهت به لحظة ضعفها لتفصل العناق بروية وتطرق عيناها في الأرض وهي تغمم بحرج قبل أن تفر من أمامه: -شكرًا على كل حاجة عملتها علشاني… تصبح على خير أومأ لها بتردد ولا يعلم ما أصابه لتخطو هي وتتوجه لخزانتها كي تحضر منامة لها ويشعر وهو يتطلع لظهرها أنه خذلها فهو يشعر بحاجتها له ولكن يقسم أنه مثلها بل اكثر منها فكل خلية به تطالب بقربها حتى قلبه يقرع طبولًا محتاجًا على أبتعادها، نعم هو تعاطف معها وحاول جاهدًا حمايتها بعدما استشعر صدقها، لكن ماذا يفعل بعقله اللعين الذي يآبى أن يستوعب أمر عفتها…غافل أن العفة تكمن في العقل إيضًا. زفر بقوة عدة مرات متتالية وهو يحاول أن يهدأ من فوران مشاعره ويتوجه الى غرفة الألعاب الرياضية خاصته كي يفرغ طاقة جسده وينهك ذاته حتى لا يرهقه عقله ويزيدها عليه. ———————– بعد مشاجرته الحامية معها ودلوفه للغرفة وهو منفعل توجه الى الحمام ودثر نفسه تحت المياه الجارية لبعض الوقت وبعد أن شعر أعصابه هدأت قليلًا خرج من الحمام بعدما ارتدي فقط شورت قصير كعادته أثناء النوم، ثم توجه الى الفراش وهو يفرك عينه من شدة النعاس ثم أستلقى عليه وان كادت عينه تغلق ويستسلم للنوم فاجأه صراخها بقوة بجانب أذنه: – انت بتعمل ايه في سريري قوم انتفض هو بقوة بعدما فر النوم من عينه وأجابها: – سريرك أزاي يعني انتِ مجنونة وقفت هي أعلى الفراش ووضعت يدها بخصرها هاتفة: -ده سريري وانا اللي هنام عليه لوحدي أجابها هو بنفاذ صبر: -تاني يا مي شغل القرود أنزلي وأقعدي زي الناس لتباغته هي بعناد: -لأ مش هقعد وأطلع بره ليرد هو بعناد مماثل: -مي انا مقتول نوم ومعنديش استعداد اناكف فيكِ، وبعدين انا الأيام اللي فاتت تعبت من نومة الكنبة فلو سمحتي سيبيني أنام ليشتد عنادها وتهتف من جديد: -مش هسيبك ومش هتنام ليقف هو ايضًا أعلى الفراش ويسحبها من ذراعيها برفق وبنبرة حنونة بعدما يأس منها ومن عنادها: – حبي أستهدي بالله وأعقلي قوليلي أريحك ازاي أجابته هي بحياد بعدما أثرت عليها نبرته الحنونة: – انا موافقة هقعد معاك هنا بس بشرط كل واحد مننا في أوضة أومأ لها بموافقته لكن بداخله يمقت هذا الشرط كثيرًا ولا يرضى عنه ولكن قرر أن يسايرها ليس إلا لتشترط هي من جديد: -وكمان هنزل شغلى زي الأول ليتنهد هو بعمق ويخبرها بتفهم وبنظرات حانية: – مي انا عايزك جنبي في كل حتة، وبعدين انا عمري ما أقدر أحبط طموحك ولا ألغي كيانك وموافق طبعًا طالما مش هتبعدي عني أبتسمت هي بهدوء فهاهو كما عاهدته سابقًا مراعي وحنون دائمًا لتهمهم وهي تجول الغرفة بعيناها تستغرب كيف أعاد كل شيء كما السابق بها: – هو انت مش كنت غيرت أوضة النوم بتاعتنا وجبت واحدة جديدة، رجعتها تاني ليه! مال عليها قليلًا ثم سحب يدها وأحتضنها بين يديه وأخبرها بعشق تام: – انا غيرتها علشان مكنتش بعرف أتنفس جواها من غيرك كنت كل ما أدخل علشان انام فيها أشم ريحتك جواها وأقعد اتخيلك معايا وده اللي كان مجنني، علشان كده غيرتها، لكن أكتشفت بعد كده اني مقدرش أفرط في أي حاجة منك ورجعتها وخصوصًا ان أوضة النوم دي شهدت على ذكريات كتير جمعتني بيكِ حاصرت عيناها داخل عينه وهي تشعر بتراقص ضربات قلبها من شدة السعادة ليبتسم هو ببشاشة كعادته ويتحسس وجنتها بحنان ويخبرها بصدق: – انا بحبك يا مي، أعذري وانسي اللي فات علشان خاطر البيبي اللي جاي يتربى وسطينا ليضع يده الآخري بحذر على بروز بطنها البسيط و الغير واضح بحنان مبالغ به وكأنه يرسل رسالة حثيةلجنينها ويخبره ان يتشفع له عندها، وعندما لاحظ توردها وصمتها الذي يؤشر على بادئة أقتناعها أقترب وتمتم بخفوت أمام وجهها: -انا عارف ان قلبك طيب وهتسامحيني واوعدك لو ده حصل هكون أسعد راجل في الدنيا وقبل ان يدع لها فرصة للرد أو حتى الاعتراض خطف قبلة عابرة من وجنتها وخرج من الغرفة قاصد النوم على تلك الأريكة وهو يتوعد لنفسه بسأم انه سيتخلص من تلك الأريكة الملعونة في القريب العاجل حتى لا ترغمه مرة آخرى على النوم عليها أما هي بعد خروجه ظلت تفكر مليًا بشأنه فهي استشعرت ندمه ومدى تمسكه بها، فنعم ستسامحه وتعذر طبيعته كراجل، لانها هي ايضًا بحاجته ولا تستطيع العيش دونه أكثر، لتبتسم بهدوء وهي تنوي أن في الغد ستصلح كل شيء ولكن ليس قبل أن تشترط عليه ان يخرج تلك النيرة التي تمقتها من حياته نهائيًا. ———————— أما عنه فبعد قضاء أزيد من ساعتين من ممارسته لكافة التمارين الرياضية التي يعرفها أخذ حمام بارد ثم توجه الى الفراش حين وجدها متسطحة على الأرض مثل الليلة السابقة ومستغرقة بالنوم وهي ترتدي منامة وردية عارية وضيقة للغاية أفقدته صوابه، فلو لم يكن هو من انتقى لها تلك الملابس كان ظن انها تتعمد إغرائه بها. زفر بضيق ثم مال بجزعه عليها وحملها بحذر وهو يطالع ملامحها الهادئة أمامه واستسلامها بتشتت، ابتلع ريقه ببطء شديد ثم حاول جاهدًا طرد أفكاره العابثة نحوها فقد توجه بها الى فراشه ومددها عليه بهدوء واستلقى بجانبها في الجهة الآخرى للفراش وبعد عدة دقائق من فشله بالنوم تنهد باستسلام ودون أي تفكير وكأنه عقله مغيب بسحرها، أقترب منها وأحتضنها من ظهرها بعدما حاوط خصرها بحنان مبالغ به ودفن رأسه بخصلاتها الحريرية التي يفوح منها عبق الياسمين الذي يعشقه، ليغفو دون أي عناء وكأنه وجد سَكينته بقربها. ——————- تململت هي بتكاسل كعادتها كل صباح وحين داعبت أنفها تلك الرائحة التي تعشقها، ارغمت نفسها على فتح أهدابها وحينها وقعت عيناها عليه يجلس بجانبها على الفراش ببشاشته المعتادة ونظراته الهائمة بها التي جعلتها تبتسم دون شعور لتتسع ابتسامته أكثر ويهمهم بحنان: -صباح الخير يا حبي اناعملتلك النسكافيه يلا قومي وبطلي كسل علشان نروح الشغل مع بعض أومأت له ومازالت تلك البسمة الهادئة تعلو ثغرها ثم أعتدلت بجلستها وتناولت من يده كوب النسكافيه خاصتها وبتلهف شديد ارتشفت منه رشفة كبيرة ليصدر منها دون قصد تلك الاصوات المستمتعة التي تفقدة صوابه. ليغمض هو عينه بنفاذ صبر ويخبرها وهو ينهض: – انا أعصابي باظت على الصبح، انا هروح أحضر الفطار عقبال ما تجهزي أبتسمت هي بأتساع بعدما تفهمت الى ماذا يقصد بحديثه وأومأت له بطاعة غير مسبوقة منها لينصرف ويتركها تستمتع بكوب النسكافيه وهي تشعر أنها حقًا أشتاقت له كثيرًا من صنع يده والى الآن لا تعلم كيف يعده ليكون بذلك المذاق الرائع. ———————- أما هي رمشت بأهدابها عدة مرات متتاليه وهي تستغرب كم الراحة والدفء التي تشعر به و لم تحظى به يوم وعندما فتحت اهدابها كادت يصيبها نوبة قلبية، فهاهو مالك قلبها وأمانها الوحيد بتلك الحياة بقربها ويغمرها بين يده، ابتسمت بسعادة غامرة و أخذت تتمعن بملامحه الرجولية أثناء استغراقه بالنوم ودون أي تردد مررت أناملها الرقيقة على وجهه وظلت تتحسس كافة ملامحه ببطء وكأنها تود نحتها على جدار قلبها لتواسيها حين يتركها. لتتعالى أنفاسه و تدرك انه استيقظ من نومه لتغمض عيناها بحرج وتضع يدها تخفيها، وظلت تلعن ذاتها من جديد فماذا سيظن بها أكثر. ليتمتم هو بصوت أجش أثر نومه وهو مازال مغمض العين ومتشبث بها: – صباح الخير أخفضت يدها ببطء ثم ردت بخجل وهي تضغط على طرف شفاهها بأسنانها: – صباح النور هو انا ايه اللي نيمني هنا أجابها وهو يشملها بدفئ عيناه: -انا شيلتك ونيمتك جنبي ليستأنف بنبرة صارمة لا تقبل التفاوض: -أخر مرة تنامي على الأرض فاهمة أومأت له بضياع وهي تغرق في دفئ عيناه، وان طالت تشابك نظراتهم انتابته نفس الرغبة الملحة خاصة الأمس لكنه حاول جاهدًا تمالك نفسه، ليتحمحم بهدوء وهو يفك حصار يده من عليها ويجلس على طرف الفراش يواليها ظهره: – انا يظهر اتأخرت في النوم على غير العادة، انا هاخد شاور و اخرج حالًا علشان أروح القسم واكمل بقيت الأجراءات بتاعة البلاغ، ياريت متخرجيش من الأوضة لغاية ما أرجع خليكِ مرتاحة النهاردة وهخليهم يبعتولك الفطار أومأت له بتفهم وقالت بهدوء بعد أن أعتدلت بنومتها و نفضت الغطاء عنها: – انت كمان مينفعش تنزل من غير فطار ليلعن هو بخفوت تحت انفاسه بعدما التفت برأسه لها ويهب من جلسته عندما لفت نظره من جديد منامتها الوردية خاصة الأمس ليحمحم بتحشرج كي يتهرب من تأثيرها عليه: -مش هينفع هتأخر لتبتسم هي ببهوت متفهمة ويتوجه هو بخطوات مشتعلة الى المرحاض ليأخذ حمامًا باردًا لعله يطفئ تلك النيران المشتعلة بجسده بفضل تأثيرها. ———————– تحضر هو اليوم لمغادرة المشفى فقد تحسنت حالته كثيرًا عن السابق وسمح له الأطباء بذلك وعند خروجه من غرفته ومروره بالمرر الذي يتواجد به مكتب هاشم نظر الى الباب نظرة حزينة مطولة، فبعد مناقشتهم الحامية بشأن فعلته، وهاشم يتجنبه ويتحاشى الحديث معه حتى انه لم يمر عليه للأطمئنان كعادته ربتت والدته على يده المسنودة عليها بحنان وقالت تخفف عنه: -معلش يا حبيبي يمكن مشغول ولا حاجة وبعدين كتر خيره مسبناش من ساعة اللي حصل حانت منه بسمة ضعيفة ساخرة من تبرير والدته، وعذرها فهي الى الآن لا تعلم شيء عما أقترفه من أخطاء بسبب ظنونه الواهية، ليهمهم لنفسه بخفوت واليأس يتملك منه: -ماجتش عليك يا صاحبي ما كلكم كرهتوني وبعدتوا عني… لتربت امه من جديد على يده وتسنده برفق ليغادروا المشفى. ———————— كانت تتابع عملها داخل مكتبها بشرود تام وبعدم تركيز وهي تتذكر كلماته الحنونة ومحاولاته الشتى لأرضائها لتبتسم بسعادة عندما تذكرت نظراته المتلهفة لها أثناء استقلاله لها بسيارته الى المشفى، فكان كل حين وآخر تسمعه يستغفر ربه بخفوت و كأنه يكبح شيطانه عنها الذي يبدو أنه يود أن يلتهمها وهي تجلس بجانبه فاقت من شرودها على طرقات خافتة على باب مكتبها لتسمح للطارق بالدخول ومازالت تلك البسمة مرتسمة على ثغرها وحين وقعت عيناها على تلك الشقراء اللعينة تلاشت ملامح السعادة من على وجهها وأحتل مكانه الضيق لتهمهم نيرة بحرج بعدما لاحظت تغير ملامحها وهي تقترب منها: -ممكن اتكلم معاكِ شوية تنهدت مي بسأم وردت بغيظ من بين اسنانها: – ممكن اتفضلي همهمت نيرة بتلعثم ولا تعلم من اين تبدأ الحديث فهي قد عزمت أمرها على الأعتراف ل مي بشأن ادعائهم لأمر خطبتهم: – بصراحة انا جاية علشان أريح ضميري، وأقولك على كل حاجة، بس عيزاكِ توعديني متتعصبيش وتسمعيني للأخر زفرت مي بنفاذ صبر وهتفت: -ياريت تتكلمي وتخلصيني من غير مقدمات همهمت نيرة بتردد: -انا وهاشم مفيش حاجة تجمعنا غير صدقتنا ب أكمل، هاشم طلب مني مساعدة وانا مكنش ينفع ارفض وخصوصًا لما اترجاني وقالي انه عايز بس يثبتلك انه هيعرف يعيش من غيرك وانك مش فارقة معاه عقدت مي حاجبيها بذهول وهي تحاول ان تستوعب الأمر لتصيح كعادتها بأندفاع: – نعــــــــــــــــــم انتِ بتقولي ايه يا مايعة انتِ انا مش فاهمة حاجة زاغت نظرات نيرة وكررت بتوجس من ردة فعلها: – انا وهاشم كنا بنمثل عليكِ، انا والله مكنتش هقبل غير لما أكمل قالي اوافق هاشم علشان تعرفي بقيمته آه ه… صرخت هي بألم بعد تفوهها بأخر كلمة عندما هجمت مي عليها بأندفاع و بشراسة مطلقة شدت بكل قوتها خصلاتها الشقراء حتى كادت أن تنزعهم من رأسها هاتفة بغيظ: – بقى كنتِ هتشليني وحرقتي دمي وكنت هموت من غيرتي وانا شيفاكِ بتتمايعي عليه وفي الأخر تقوليلي كنا بنمثل عليكِ، والله ما هسيبك غير لما أكون مموتاكِ يا مايعة لتصرخ نيرة بألم و تستعطفها: -والله مليش ذنب هو اللى كان عايز كده….سيبيني يا مجنونة هتقطعي شعري لتهتف مي بأنفعال: -انا مجنونة …طب بقى انا هوريكِ الجنان على أصوله لتنحني عليها وتعض بأسنانها ذراعها بقوة، لتصرخ نيرة وتتلوي من شدة الألم، وإن كادت أن تدفعها عنها أحال هو بينهم بعدما تناهى الى مسامعه صراخهم وهدر بقوة: – في ايه انتِ وهي اتجننتوا لتحاول مي ازاحته وتمد يدها تريد أن تتعلق من جديد بشعر نيرة هاتفة بغيظ: – سيبني والله لموتها ليمنعها هو بقوة وهو يتمسك بخصرها ويرفعها من على الأرض بعيد عن الآخرى لتصرخ من جديد وهي تتلوى بين يديه: -سيبني متمنعنيش سيبني أفش غليلي منها المايعة دي ليهتف هاشم وهو يوجه حديثه ل نيرة المنكمشة على نفسها: – انتِ عملتلها ايه عصبها كده؟ تمتمت نيرة بنبرة متألمة وهي تدلك ذراعها مكان عضة تلك الشرسة: -انا غلطانة كان قلبي عليها و كنت جاية أقولها الحقيقة واعرفها بالتمثلية اللي انت عملتها عليها بس دي مجنونة ربنا يكون في عونك بتحبها أزاي لتصرخ مي وهي تحاول ان تتخلص من قبضته على خصرها وتلوح بالهواء: – برضو بتقول عليا مجنونة والله ما هسيبها ليهدر هو بعصبية ينهرها: – أهدي يا مي علشان خاطري المستشفى كلها سمعت بينا ليوجه حديثه لنيرة: -امشي انتِ يا نيرة، ومتشكر اوي لخدماتك الحمد لله طيرتي الربع اللي كان فاضل في دماغها لتخبرها نيرة بكيد أثار حنقه هو شخصيًا قبل انصرافها بخطوات سريعة: -شوفتي حتى شوومي رأيه فيكِ انك مجنونة لتصرخ هي بين يديه والشرار يتطاير من عيناها: -لسه بتقول شوومي قدامي البجحة سيبني هقتلها…هقتلها فرت نيرة قبل أن يفلت هاشم زمام تلك الشرسة، وحين فعلت ترك مي واندفع الى الباب بسرعة متناهية و أوصده من الداخل حتى لا تلحق بها لتصرخ هي به بأنفعال: – انت بتعمل ايه سيبني هروح اجبها من شعرها دي بتقول عليا مجنونة ليهمس هاشم بنبرة حنونة: -أهدي يا مي علشان خاطر ربنا هي مشت خلاص …وهي ملهاش ذنب انا اللي طلبت منها ده وقتها لتضيق عيناها بغيظ وتجز اسنانها وتقذفه بتلك المنفضة الكرستالية التي كانت تتوسط المكتب ليتفاداها هو بأحترافية وبخفة متقنة؛ فهو أعتاد على الأمر في الآونة الأخيرة منها ليعقب على فعلتها مؤكدًا: -زعلانة علشان بتقولك يا مجنونة ده انتِ مجنونة وستين مجنونة كمان، كنتِ هتموتيني لتهتف هي بغيظ وهي تقترب منه بخطوات غاضبة وتضربه بصدره عدة ضربات متتالية: -انت ليه كدبت عليا الكدبة السخيفة دي كان ممكن تعاقبني بأي طريقة تانية إلا اني أشوفك مع واحدة غيري، انت عارف انا كنت بحس بأيه، كنت بموت بالبطيء ليهمهم هو بأسف وهو يستقبل ضرباتها لصدره برحابة: – انا آسف حقك عليا غيرتي وشكوكي كانوا عاميني وكان نفسي تحسي بالنار اللي انا حسيت بيها واوجعك زي ما وجعتيني وجرحتي كرامتي لتخبره هي بعيون غائمة بعبراتها وهي تصفق له: – براڤو عليك مثلت دورك تمام وبصراحة هي كمان ممثلة في منتهى البراعة لتتهدل معالم وجهها ووهن صوتها وهي تستأنف بنبرة صادقة نابعة من صميم قلبها وبدمعات فشلت بكبحها: – بصراحة بهنيك على الدرس اللي انت اديتهولي انا فعلًا معرفتش قيمتك غير لما بعدت عني وحسيت انك هتبقي لغيري، وقتها حسيت بسكاكين بتقطع في قلبي وأكتشفت اني بحبك اوي ومش هقدر أعيش من غيرك، وقررت اني هبذل كل جهدي علشان أرجعك ليا، لكن لما رفضت تردني لعصمتك وقتها قررت أستسلم وأرضى بخسارتك وألملم الفاضل من كرامتي وابعد، ويمكن اللي كان محسسني اني مخسرتش كل حاجة في بعدك، هو اني شايلة جوة مني حتة منك وهتفكرني بيك كانت تلك أخر كلمة تفوهت بها قبل أن يبتلع باقي حروفها بجوفه بعدما سحبها الى أحضانه و تناول شفاهها بلهفة شديدة ورغبة مُلحة فهو كان يستمع لها بملامح منكمشة متأثرة وقلبه يعتصر من الألم ولكن عندما صرحت له بحبها لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع إليها ويفيض بمشاعره الثائرة ورغبته المُلحة التي تكاد تقضي عليه فقد ظل يتناوب على شفاهها واحدة تلو الآخري بتلهف مبالغ به خارج عن سيطرته، بادلته هي ايضًا بشغف ولم تبخل عليه بشيء ثم رفعت يدها وأخذت تعبث بخصلاته البنية القصيرة بحميمية، وعندها لم يستطيع الصمود أمامها أكثر ورفعها من على الأرض برفق وتوجه بها الى الأريكة التي في زاوية من زوايا غرفة مكتبها ومددها عليها ثم أعتلاها وباشر غمرها بالمزيد من قُبلاته لتهمهم هي بضعف من بين شفاهه وأنفاسه المحمومة التي تلهب كافة حواسها: -هاشم…مش…هينفع إحنا… في المستشفى…أستنى لما نروح البيت هز رأسه برفض تام ودفن وجهه بثنايا عنقها يلثمه بوله وهو يهمس بشكل خطير خدر حواسها: -مش قادر أصبر أكتر من كده… لم تعترض بل تركت العنان لنفسها وسمحت له كي يغدقها بتلك المشاعر الجارفة والأحاسيس الصادقة التي كانت تفتقدها وتتوق لها. ————————- أصر على والدته أن تسبقه الى المنزل وأخبرها انه سيلحق بها، ودون تردد وجد نفسه ينساق الى قبر شقيقته الراحلة وحين دلف الى مدافنهم الخاصة وجد شاب يجلس بجانب القبر ويلامس اللافتة الرخامية بملامح ممزقة و يذرف دمعات حارقة متمتمًا ببعض الكلمات التي أثارت كافة شكوكه تجاهه ليقترب بخطوات حثيثة اليه دون ان يشعره ليستمع بوضوح أكثر الى همهمته: – وحشتيني يا أمل…وحشتني كل حاجة فيكِ يارتني انا اللي كنت مكانك تحت التراب سامحيني انا السبب، انا مش ندل ومسبتكيش بمزاجي انا كان عندي أستعداد أواجه الدنيا معاكِ وفعلًا روحت لابويا وقولتله اني بحبك وعايز اتجوزك رسمي لكن هو ما أقتنعش، وقعد يماطلني علشان نيجي ونطلبك من أمك، في الوقت ده ابويا غصب عليا اسافر معاه بحجة انه تعبان ولازم يعمل عملية ووعدني لما نرجع هينفذلي اللي انا عايزه، ولما سافرت أكتشفت انه ضحك عليا علشان يبعدني عنك و يجوزني بنت صاحبه علشان مصالح مشتركة مبينهم، بس انا عارضته وقولتله اني متجوزك انتِ وبحبك ومش هعيش مع غيرك، وده اللي أستفزه وخلاه خد مني الورقتين العرفي بتوع جوازنا وقطعهم قدام عيني ووصلت بيه انه حابسني وأخد مني باسبوري وكل ورقي علشان معرفش أرجع، وبعد ما صاحب أخوكِ هدد أمي وقالها مش هسكت وشرحلها الحالة اللي انتِ وصلتلها، أمي كلمتني من ورا ابويا وكانت متعاطفة معاكِ وقالتلي لازم ارجع وأصلح غلطتتي ليشهق بقوة ويستأنف من بين دمعاته بهذيان وهو يربت على اللافتة الرخامية وكأنه يخاطب شخصها: – انا عارف ان دي مش اول مرة أحكيلك اللي حصل بس معلش أستحمليني وسيبيني اكمل للأخر، انا حاولت والله حاولت أهرب منه لكن وانا بجري من رجالته اللي كانت محاوطاني في كل حتة مخدش بالي غير وعربية خبطاني بكل قوتها ووقعتني سايح في دمي، قعدت أسبوعين مش حاسس بالدنيا ولما فوقت عرفت ان أصابتي كانت في العمود الفقري قعدت كتير بتعالج وعملت اكتر من عملية علشان بس أعرف أقف على رجلي وكنت في الوقت ده بحاول أعرف أي أخبار عنك من امي لكن كانت بتطمني وتقولي انك بتتعالجي في المصحة وانك بقيتي أحسن مكنتش أعرف انها بتكدب عليا وانك انتحرتي بسببي – مش بسببك لوحدك هدر بها أكمل بحزن وبنبرة منكسرة بعدما شعر بصدق حديث ذلك الشاب الذي يحتل الحزن ملامح وجهه وشعور الفقد يمزقه حزنًا على شقيقته: مسح فارس وجهه بكف يده ورفع نظراته اليه وتسأل بذهول بعدما أدرك انه أستمع لحديثه: – مين حضرتك حانت من أكمل بسمة متألمة وغامت عينه وهو يخبره: -انا الغبي اللي بعدت عنها ومكنتش جنبها في أكتر وقت محتجاني فيه…يمكن لو كنت جنبها مكنتش عملت كده في نفسها وفيا…انا أخوها ليبتسم فارس ببهوت ويخبره وهو يشرد في تلك اللافتة الرخمية التي تتزين بأسمها: – كانت بتحبك اوي وعلطول بتحكيلي عليك، كان نفسي أقابلك في ظروف أحسن من دي وتبقى هي معانا بس يظهر ان القدر استكترها عليا وحرمني منها زي ما حرمني من حاجات كتير في بعدها ليحاول فارس النهوض بصعوبة بالغة أثارت دهشة أكمل مما دفعه لمساعدته وبعد ان نهض انحنى قليلًا وتناول عكازيه من جانب القبر وأتكأ عليهم ثم أنسحب بهدوء وبخطوات متعثرة ضعيفة من امام أكمل دون أن يتفوه بأي كلمة آخرى. ليؤشر أكمل الى مسؤول المدفن الخاص بهم أن يقترب ويسأله: -هو الشاب ده بيجي هنا كتير اجابه العامل بثقة: -فارس بيه يووووه يا بيه ده كل يوم والتاني هنا وبيقعد يعيط على قبر الهانم ويكلم نفسه بالساعات هز أكمل رأسه ونظر لأثاره بملامح شاحبةوبدهشة كبيرة فكان يعتقد أن شقيقته قد عانت ما عانته بسبب ذلك الفارس؛ لكن اكتشف أنه أخذ جزائه من العذاب أيضًا بعد رحيلها فيكفي أنه مازال إلى الآن مؤنب بسببها ويكفي ايضًا وفائه لذكراها بعد موتها…تنهد تنهيدة مثقلة بالكثير وقد ادرك أن فراق شقيقته لم يحرق قلبه فحسب بل احرق معه قلب وحياة معشوقها.