لأجلها بقلم امل نصر ج٨

………………..
توقفت السيارة الغريبة أمام مدخل المنزل الذي وصل إليه بصعوبة، رغم معرفته الوثيقة به. هذا يعود إلى طول فترة الابتعاد والتغيرات التي طرأت على القرية التي هجرها تقريباً إثر خصامه مع حمزة.
سنوات عديدة قادرة على طمس الهوية، وليس تصفية الخصام فقط. ربما لأنه كبر وتعقَّل عن تهوره، أو ربما كان السبب آخر، وهو تعرفه على زوجة حمزة الحالية التي لم تكن أبدًا من توقعاته. لم يُكلِّف نفسه بالسؤال، مع أن بإمكانه عمل تحريات كاملة عن الأسرة لو أراد طوال سنين ابتعاده عن المحافظة بأكملها، ولكنه لا يريد حتى لا يفتح جروحًا قديمة هو في غنى عنها. ومع ذلك، الفضول يقتله، ورغبة من داخله جعلته يتقبل دعوة حمزة للحضور بترحاب شديد.
تنهد بثقل يترجل من السيارة فور أن انتبه لخروج الأخير لاستقباله أعلى درج المدخل، ومعه العزيزة والدته. يا الله، كم اشتاق إليها تلك المرأة الحنون!
أغلق باب السيارة ليتقدم نحو الاثنين بهيبته، ليُذهل المرأة التي لم تعرفه في البداية حتى همس إليها حمزة يؤكد على هويته. الأمر الذي جعلها تصدق هذه المرة باقترابه منها وابتسامة ذكرتها بالولد الذي كانت تعتبره ابنها، لتهلل في استقباله بحرارة:
ـ بسم الله تبارك الله، كمال باشا بحاله عندنا يا ولاد؟ يا حلاوة يا حلاوة.
ضحك المذكور وهو يقترب يُقبّل رأسها:
ـ زي ما أنتِ يا ست، ما اتغيرتيش؟ دا ابنك نفسه كبر وعجز. ما شاء الله عليكي، إيه الحلاوة دي؟
جذبته حسنية إليها تُقبّل وجنته بسجيتها:
ـ دا انت اللي بدر منور يا حضرة الظابط يا قمر.
ـ يا ستي رائد والله، افهمي بقى، كام مرة هقولها؟
قالها حمزة وهو يقرب صديقه إليه لينال نصيبه من ترحيبه بعناق رجولي ومودة صادقة، وكأن كل ما مر من سنوات جفاء وخصام لم يؤثر على صداقتهما.
فعارضه. كمال :
ـ سيبها تناديني يا ولا حتى، أنت مالك يا أخي؟
انتشت حسنية تعقب على قوله وهي تسحبه من يده:
“أيوة يا حبيبي، ولدي وربنا العالم. تعالَ ادخل، تعالَ.”
همَّ أن يستجيب لسحبها، ولكن استوقفه زوج من الصغيرات اللواتي كنَّ يشاهدنه بانبهار، حتى شعر نحوهنَّ بألفة غريبة وكأنه يعرفهن:
ـ بسم الله ما شاء الله، القمامير دول بناتك يا حمزة؟
لم يُجبه الأخير، وقد تكفلت والدته بالإجابة:
ـ دول بنات خليفة، مِنة وجنا. هو في مشوار وزمانه على وصول.

