الحقد نارٌ صامتة، لا تحرق سواك. تُغذّيها أنانيّتك، وتظنّ أنّها سلاحك نحو الانتقام، بينما هي في الحقيقة قيودك الثقيلة. القلوب التي امتلأت بالضغينة تذبل قبل أن ترى الربيع، والعقول التي أسكنتها "الأنا" تفقد نورها قبل أن تبلغ الحكمة. فلا عدوّ أفتك بالإنسان من نفسه حين يسلّمها لظلمة الحقد، ولا قبر أضيق من قلب امتلأ أنانيةً حتى لم يعد يتّسع للنور. المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ سنا الفردوس ( بطوط) الفصل الواحد والأربعون داخل غرفة بالمركز الصحي التابع للقرية، كانت مستلقية على سريرها الطبي، وقد استرجعت أنفاسها شيئا فشيئا لتعود إلى طبيعتها تدريجيًا بعد أن تلقت الرعاية العاجلة من قِبل الأطباء والعاملين، والفضل يرجع إلى شقيقتها الصغرى التي تدبّرت الأمر ببراعة، حين هاتفت إسعاف القرية لتنقلها بسرعة إلى هذا المرفق الحيوي في البلدة. كان التشخيص المبدئي هبوطًا حادًا في ضغط الدم كاد أن يوقف قلبها في لحظة غادرة. والسبب؟ شقيقتها التي كانت أمامها الآن، تعبّر عن أسفها بصعوبة وثِقل، وكأنها مجبرة، أو لعلّه كبرياء نفسها التي ترفض الاعتراف بما ارتكبت من أخطاء. ـ لو كنت أعرف إن ضغطك هيوطى أو إنك هتتعبي بالشكل ده، مكنتش اتكلمت معاكي من الأساس. بس شكلك كنت تعبانة أصلًا من الأول. على العموم... أنا آسفة. أومأت اعتماد بضعف، تتقبل اعتذارها، رغم الجرح الغائر في قلبها، وتأكدها من عدم جدّية شقيقتها أو اقتناعها بالاعتذار، وإنما تفعل ذلك من باب حفظ ماء الوجه، إن تبقّى منه شيء. أخرجها من شرودها المظلم رطوبة شفتين صغيرتين حطتا على جبهتها برقة متناهية. من شقيقتها الصغرى الحانية التي كانت بجوارها على الفراش، تضمها بذراعيها، تدعمها وتخفف عنها بصوت باكٍ، لتذكرها أن تضحياتها وتعبها لم تذهب سدى، ـ سلامة الحلو من كل شر... أوعي تعمليها تاني يا اعتماد. أنا كنت هموت والله في اللحظة اللي قفلتي فيها خشمك، وانحاش فيها نفسك. كنت حاسة إني أنا اللي إنحاش نفسي، وروحي بتروح مني. والله ما حسيت إنها ردتلي غير بعد ما فتحتِ عينك وبصّيتي ليا. ربنا يجعل يومي قبل يومك يا خيتي يا غالية. ربتت اعتماد على ذراعها بامتنان، توبخها بلطف حتى لا تعيد مثل هذا الدعاء: ـ بس يا بت... متبقيش عبيطة وتدعي على نفسك تاني. لاحسن والله أزعل منك. وبلاش دموعك دي... ولا تكبّري الموضوع. شوية تعب وراحوا لوحديهم. ـ لاه... لساهم ما راحوش. ولا ناسية إنك مازلت راقدة في المستشفى، وإبرة المحلول لسه في يدك؟ لازم تخلّي بالك من نفسك. وإحنا كمان واجبنا نحرص عليكي ومنزعّلكيش... قالتها متوجهة بنظرها نحو شقيقتهما الثالثة روضة، التي التقطت التعقيب لتصب به حنقها بعد لحظات لم تحتملها في مراقبة المحبة الزائدة بين الاثنتين: ـ خلاص يا ست المسهوكة... إنتي هتعمليها ليلة وتشعلليها بعد ما هديت؟ طب ماهي ربنا خد بيدها، وأنا اعتذرت واتأسفت اها... عايزة إيه تاني؟ جاء رد رغد بهدوء ووداعة تستفزها: ـ أنا قصدي نفسي معاكي يا روضة. إحنا الاتنين لازم نقدّر ومنزودش على تعب اعتماد. كفاية الضغوط اللي عليها... هنبقى إحنا والزمن عليها؟! غمغمت روضة في داخلها بما لم تستطع أن تنطق به أمامهما: ـ يا بوي... علي شغل المثالية اللي يفقع المرارة ويجيب مغص معوى. ثم قالت بصوت عالٍ وهي تنهض مغادرة: ـ أنا طالعة برا أشم هوا بالبت اللي نفسها اتكتم من ريحة المستشفى. عن إذنكم. لكنها وقبل أن تغادر، فوجئت بمزيونة التي دخلت مسرعة بصحبة زوجها فور أن علمت ماحدث لها من شقيقتها عبر الاتصال الهاتفي. ـ اعتماد حبيبتي... إيه اللي جرالك؟ قابلت اعتماد لهفتها بهدوء تطمئنها: ـ حاجة بسيطة مش مستاهلة. إنتِ مين قالك بس؟ سارعت رغد بالرد، غير مبالية بنظرتها المحذرة: ـ أنا اللي قلتلها... لما لقيتها بتتصل عشان تتطمن عليكي. عايزاني أقولها رايقة وزينة بالكذب؟ ـ لا لا... سمح الله، ودي تيجي؟ قالتها بشيء من السخرية التي التقطها حمزة، دالفًا خلف زوجته، ليعقّب: ـ لا مدام بتقلشي وتهزري تبقى بخير وزينة. ونطمن عليكي. إيه اللي جرالك يا أبلة؟ ده العيال بتعملها على نفسها بشخطة واحدة منك... على رأي الواد ريان. أضحكها مزاحه وأخرجها من الكآبة التي كانت تغلفها، فردت متسائلة: ـ طيب وهو شاف فين العفريت ده؟ ومدرسته أصلا في المحافظة، برا البلد. ـ بيسمع من صحابه اللي في البلد يا ستي. قالتها مزيونة، لتستهجن اعتماد بمظلومية وقد اندمجت في الحديث معهما: ـ آه يا أنى يا غلبانة... حتى الأطفال بيطلعوا عليا إشاعات يا ناس! ضحك حمزة، ثم أردف: ـ اللي يخوف أحسن من اللي مابيخوفش سيبك، الأهم خلينا في صحتك دلوك. إيه اللي حصل وخلاكي تتعبي كدة؟ إحنا موصلينك لحد باب البيت زينة وتمام. ـ عادي... ضغطي وطي فجأة. أكيد إرهاق وتعب. تفوهت بها اعتماد بكذب لم ينطلِ على الاثنين. فصمتت رغد، لكن ملامحها البريئة كانت أصدق من كلامها، كاشفة أن هناك أمرًا ما حدث... ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ وفي داخل المنزل الكبير، في الشرفة الشاسعة، ذلك المكان المميز لحسنية وجلستها المفضلة مع ولدها الهادئ المتعب، كانت تتباحث معه حول ما أخبرها به حمزة: ـ طب أنا اللي عايزة أعرفه دلوك... التمثيلية دي هتفضل لحد إمتى؟ ـ تمثيلية؟! ـ أيوة تمثيلية. أخوك مفهّمني كده وأنا على نار، مش عارفة راسي من رجلي. بت عمك قالبة الدنيا في بيت أبوها، وأمها اتصلت ومعرفتش أرد عليها وأقولها إيه. ـ قوليها إنه خطب، صُح يا أمه؟ وما تنكسفيش من حاجة. يا إما سيبي الأمر ده عليا وأنا هعرف أتصرف معاهم. تجمدت حسنية لعدد من اللحظات، تطالعه بمزيد من التشتت وقد زادها قوله حيرة: ـ أسيب الأمر عليك إزاي يعني؟ ههتقولهم اللي قاله حمزة؟ ـ أوعي يا أمه! إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ هي سمعة بنات الناس لعبة؟! قاطعها ناهِيًا بحزم، لتخرج هذه المرة عن طورها الهادئ، وتطالبه بانفعال: ـ واض... إنت جيب من الآخر! إيه اللي في دماغك بالظبط؟ ما تسيبنيش كده عايمة في مية البطيخ، أنا لازم أرسى على بر معاك. وكان رده الصمت... لتمر عليهما لحظات تبادلا فيها حديث النظرات؛ بين أم تغوص في أغوار ابنها الذي تعرفه أكثر من أي شيء، وابن يعلم ذلك جيدًا ويمنحها المساحة كاملة حتى تستخرج الإجابة بنفسها... ووصلت الرسالة. ـ جدة حسنية... خدي اربطيلي الحظاظة على يدي أصلها اتقطعت. كان هذا صوت ريان الذي دلف مقاطعًا جلستهما، لتتلقاه حسنية بحنانها المعتاد ومشاكستها أيضًا: ـ هات يا خايب هات... حظاظة ومسخرة! شغل عيال البندر الماسخ. ـ ماسخ ليه؟ دي بلون علم بلدي لاففها على يدي. شوفتيني لابس أسورة بنتة؟ ضحكت حسنية بعد أن أفحمها بمنطقه، فيما ربت خليفة على ذراعه بفخر: ـ جدع يا واض، عجبني ردك. بس مخليتش أبوك يربطها ليه؟ ولا خالتك مزيونة؟ أنا مش شايف حد فيهم أصلا. أجابه ريان وهو مندمج فيما تفعله جدته وهي تحكم ربط الحظاظة على يده: ـ الاتنين مجعدينش، راحوا يزوروا أبلة اعتماد أصلها عيّانة... ـ بتقول مين يا واض؟ قاطعه خليفة بتساؤله، فارتفعت رأس حسنية نحوه لترى الخوف قد اعتلى ملامحه، بينما واصل ريان شرح المكالمة التي أجرتها خالته مزيونة وعرفت فيها عن تعب إعتماد المفاجئ. ليجفلها فجأة، ناهضا عن جلسته مستأذنًا للانصراف، وكأنها أصبحت تخصه... لا، بل هي فعلًا أصبحت تخصه كما بدا لها الآن. ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ داخل الخيمة التي تُعد مسكنها أينما حطّت الرحال في أي بلد، كانت مضجعة بجسدها، متكئة على وسادة قطنية، والفراش الصوفي أسفلها. في المقابل جلست والدتها على فرشة صوف أخرى متربعة القدمين، تتحدث إليها باهتمام لتعرف ردها حول الموضوع الهام، أو لتقنعها إن لزم الأمر: ـ يا بت، انطقي! ريّحي قلب أمك وخلينا نرسى على برّ مع الجدع اللي رايح جاي علينا بيتنشق على كلمة منك. مش عايزين نضيّع الفرصة من إيدينا. قاطعتها نورة بانفعال تخرج عن صمتها: ـ يا أختي اسم الله على الفرصة! أروح ضرة على مرة وعيال وتبقى فرصة؟! جادلتها الأم بقوة: ـ ومالهم المرة والعيال؟! مدام هتبقي إنتِ الست عليهم؟ والحال والمال هيبقوا في يدك! الراجل واقع فيكي من الدور العاشر، يبقى املكي وعبي كفوفك منه. هو إحنا كل يوم هيجلنا عريس كده يا بت؟ ما على يدك... إن كان عيال عمك ولا الرجالة اللي بيدوروا حواليكي. وكل ما نحط رجلينا في بلد، ما فيش واحد عدل اتقدم لحد دلوك! زمت شفتيها بحنق شديد، تدرك تلك الحقيقة جيدًا وعن ظهر قلب، لتصحح بشرود: ـ لا... فيهم اللي اتقدم يا أمه، بس مكملش ولا عرف يكمل المشوار ويتحدى أهله. مقدرش يتحمل ظروفنا ولا قدر حتى يواجه بيا الدنيا زي ما كان معشمني. أخرجت المرأة تنهيدة مثقلة من صدرها وقد فهمت مقصدها، فغضنت ملامحها بضيق قائلة: ـ طيب كويس يا أختي إنك فاكرة. الحب والعشق ده كلام ما يجيبش همّه، خصوصًا بقي مع ولاد الأصول اللي شايفينا أقل منيهم. إنتِ جربتي حظك مرة مع واحد من عيال عمك، في جوازة مجعدتش شهرين، وجربتي مع الغريب اللي عمل فيها الغضنفر اللي هيشيلك ويشيل ناسك، وفي الآخر طلع ورق ولا يسواش، وما قدر حتى يكتب كتابه عليكي. يبقى نبص للموجود دلوك. عرفان متجوز ومعاه عيال؟ يبقى تاخدي فرصتك عليه عشان يعوضك. هتتجلعي وتاخدي ما بدالك منه، يا إما ترميه من طول دراعك ويغور في داهية. بس بعد ما تعبي يدك منه وتشبعِي. هو أنا اللي هفهمك؟ دي إنتِ نورة! تطلعت إليها بحيرة، تزن الكلمات بعقلها، تبحث عن حيلة تراوض بها الرفض داخلها. إنها حتى لا تحتمل الجلوس معه، فكيف ستصبح زوجة له وتعطيه حقوقه؟! كيف وشغفها يتجه في ناحية أخرى ليست منطقية إطلاقًا؟! ذلك الأبله الذي كلما قابلها تشاجر معها، ينظر إليها بازدراء وهو في الأصل لا يسوى شيئًا، يتفاخر بأصله وكأنها أقل منه... ورغم كل ذلك، تتوق دائمًا لرؤيته وخلق الحجج للقائه. ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ في أقل من عشر دقائق، وصلت السيارة أمام المبنى الذي تتواجد فيه، مقر المركز الصحي الذي يشمل بلدتهم وباقي القرى من حولها. صفّها في موقع مناسب قبل أن يترجل بخطواته السريعة نحو المدخل. وعلى حين غرة، أبصر بطرف عينه ذلك الشاب اللزج، زوج أختها، يقف مع زوجته المزعجة في أحد الأركان قرب السور، أسفل صف الأشجار. غمغم في داخله ساخطًا على تلك الحمقاء التي بدت من هيئتها ووقفتها المستسلمة أمامه وكأنها توشك على إفساد الخطة والشروط التي وُضعت في جلسة الرجال، حتى تعود إليه مرفوعة الرأس، تعويضًا يرد حق شقيقته التي تنازلت عن حقها في حبس زوجها من أجلها ومن أجل الصغيرة ابنتها. شتان بين واحدة بلهاء مثلها، وبين عزيزة النفس التي كان يسارع الآن بخطواته ليقصر المسافات ويطمئن عليها. طرق على باب غرفتها المفتوح على مصراعيه، ليلفت أبصار الحاضرين معها، ثم دلف يلقي التحية، وعيناه ترسل نظرة عتب نحو شقيقه الذي جاء بزوجته دون أن يخبره بتعبها: ـ مساء الخير. ـ مساء النور. جاء رد التحية منهم وأبرزهم كان حمزة، الذي تحمحم متلقِّيًا إياه بالمزاح أمام دهشة الآخرين: ـ وه! دي البلد كلها شكلها عرفت بتعب الأبلة، منوَّر يا واض أبوي. رمقه بنظرة خاطفة، رافعًا حاجبه بتحذير، قبل أن يتجه إليها مخاطبًا: ـ سمعت من الدكتور إن سبب تعبك المفاجئ هو الزعل الشديد، مين اللي زعَّل الأبلة؟ شعرت بحرج شديد نتيجة السؤال الموجَّه إليها أمام الحاضرين، وقد تركز الانتباه نحوهما، فخرج ردها بصعوبة، محاولة الإنكار: ـ عادي يعني... مفيش حاجة... الدكتور بيهوِّل. ـ الدكتور بيهوِّل! صح الكلام دا يا رغد؟ تفاجأت الأخيرة من مخاطبته المباشرة لها، فتبسَّمت برد فعل عفوي، وقد بدا أنه يستخدم سلطته كخطيبٍ لشقيقتها حتى يحقق في سبب تعبها. ـ لاا، بس قصْدها يعني... قطع الحديث دخول "روضة" التي دلفت والأنظار معلَّقة بخليفة، الذي يزعم أنه خطيب تلك الراقدة على سريرها: ـ ما شاء الله، الأوضة بقت مليانة مسالخير يا أستاذ خليفة. التفت نحوها بملامح مبهمة يرد تحيتها أولًا: ـ مساء الخير. تقدمت أكثر حتى صارت أمامه، تسأله بفضولها: ـ شكلك زعلان عشان جيت متأخر؟ معلش، لو أعرف نمرتك عاد كنت اتصلت عليك وبلغتك... بما إنك بقيت خطيب أختي... ختمت تلقي بنظرة خاطفة نحو شقيقتها، التي امتقعت ملامحها من طريقتها غير اللائقة، حتى ودت أن تفحمها برد جاف يخرسها. لكن خليفة كان الأسبق: ـ لا، اطمني، أنا مش زعلان ولا حاجة. إحنا لسه في البدايات، وطبيعي دا يحصل. على العموم، المرة الجاية لو اضطريت، هاخد رقم رغد، هتبقى أسهل في السؤال. ـ رغدد... خرج منها الاسم بنظرة ذات مغزى نحو "اعتماد"، التي فهمت قصدها الخبيث في جرحها وتذكيرها بحادثة زوجها السابق وأغراضه الدنيئة نحو المذكورة. فجاء التدخل من "مزيونة" التي كانت تتابع وتعي ما لا يعرفه خليفة، فردت لتخرسها بما خطر ببالها: ـ أيوة يا رغد يا روضة، دي جلوعة العيلة زيها زي ليلى، هي تزيد عنها إيه غير سنة؟ قولها كان كافيًا جدًا لإفحام روضة، فتبتلع غيظها داخلها، أما خليفة فقد أسعده الرد. على عكس اعتماد التي زاغت عيناها بتشتت، وهي تراه يتعامل وكأنه أمر واقع! استغل حمزة الفرصة، مضيفًا على قول زوجته ومثبتًا: ـ صح والله، صدقتِ. بت يا رغد، من هنا ورايح أنا عمك زي خليفة بالظبط. أي حاجة عايزاها، تطلبيها مني متتأخريش. أومأت رغد بعفوية، مبتسمة بامتنان. ليردف بعدها بأمر: ـ وانا بقول كفاية كده، نقوم نسيبه معاها لحظة يمكن عايز يطمن عليها واحنا قاعدين. ونهض يشير إلى زوجته وشقيقتيها لتفهما، أمام صدمة اعتماد التي فقدت النطق، تتابع انسحاب شقيقتيها مع مزيونة، واتخاذ خليفة مقعده بالقرب منها، وكأنه يعيش الدور حقًا. ليجفلها حمزة بكلمتين على عجالة قبل أن يتبعهم: ـ متشليش هم هالة خالص، أنا اتصرّفت معاها، ومستحيل تقدر تقرّبلك لا انتِ ولا أخواتك. قالها سريعًا وغادر دون أن يمنحها فرصة للاستفسار. فتعلقت أبصارها به حتى خرج من الغرفة، ثم استوعبت قصده، لتعود ببصرها نحو ذلك الجالس أمامها يراقبها بحنق جعلها تثور: ـ على فكرة، أنا شايفة الموضوع كده زاد عن حده. ـ موضوع إيه اللي زاد عن حده؟ تلعثمت قليلًا، تجيبه بارتباك: ـ موضوع الخطوبة والكلام... الفاضي ده. مط شفتيه بابتسامة جانبية جاهد لإخفائها: ـ بس إحنا لازم نتصرف على أساس الوضع اللي اتحطينا فيه. وانتِ كمان لازم تخلي بالك، الباب المفتوح ده ممكن حد يدخل منه فجأة ويسمعك، تفتكري ساعتها هيقول علينا إيه؟ سألته بارتباك: ـ إيه؟ ـ أنا اللي بسألك، عشان تفكري. وبالمناسبة عايز أنبهك، طليقك الزفت قاعد ضيف عند المحروس جوز أختك. ـ يولعوا بجاز وسخ هما الاتنين. انفعلت حتى أمسكت رأسها متأوهة بتعب: ـ الله يخرب بيوتهم... هما الاتنين هيقصّروا بأجلي... ـ بعد الشر. وصلت إليها كهمهمة بالكاد تُسمع، قبل أن يستطرد بجدية: ـ من غير ما تتعبي نفسك، هما الاتنين أصلًا ما يستاهلوش. لكن لازم الحرص مع جوز أندال زي دول، كل واحد فيهم همه مصلحته في الكلام والحديث لما يكبر. جوز أختك عايز يرجع مرته من غير ما يدفع مليم، وطليقك شكله كده فعلًا له غاية في إنه يرجعك. ـ كله حَنش العفش دا كمان! هو أنا طايقة أبص في وشّه أصلًا؟ صدرت منها برد فعل عفوي، لتعود لنفسها تستغفر هامسة: ـ أستغفر الله العظيم يا رب من كل ذنب عظيم... سيرته اصلا بتعصبني. لم تَرَ ابتسامة أخرى حلت بزاويتي شفتيه، لملمها سريعًا ليعود بجدية: ـ على العموم أنا كده اتطمنت بعد كلام الدكتور كمان. يلّا بقى، عشان أروحكم معايا في طريقي. ـ تروح مين؟ ـ أروحك يا اعتماد، أوصلك لحد بيتك بعربيتي. تطلعت إليه بعينين متسعتين، يموج فيهما الرفض والدهشة: ـ توصلني بعربيتك إزاي يعني؟! مينفعش طبعًا. روح انت، متشغلش بالك. أنا هتصرف. استهجن، مرددًا: ـ ما اشغلش بالي كيف يعني؟ انتِ ناسية إن قدام الكل دلوك اسمي خطيبك؟ هتبقي أصول مني بقي لما أمشي وأسيبك ترجعي في تاكسي علي بيتك من غيري. دي الناس تاكل وشي يا اعتماد. حسنًا... لقد أزال حتى الألقاب! اللعنة، ما الذي يحدث معها؟ هي ليست معتادة على ذلك. كيف تجد صوتها أمام من يفرض عليها سلطة وهمية وكأنها صارت حقيقة؟ ـ يا أستاذ خليفة... ـ أستاذ مين بس؟ في واحدة تقول لخطيبها يا أستاذ؟ قاطعها بها، ليقترب برأسه هامسًا وكأنه ينصحها: ـ على فكرة، أختك روضة أول واحدة هتروح توصل لجوزها لو سمعتك بتكلّمينى بالرسمية دي. ودا ما هيصدّق، هيعمل منها حكاية فوق الحكاية. رد فعلها كان جمودًا تامًا بفمٍ مفتوح، أهدابها وحدها تتحرك أمامه، وكأنها مصدومة أو غير مستوعبة لما يجري. فنهض فجأة، يحسم الجدال: ـ أنا هروح أنده لرغد تيجي تساعدك وتسندك لحد العربية. أصلك مهتقبليش إني أسندك أنا طبعًا. لم ترد، بل ظلت على حالها، تتبعه بأبصارها حتى خرج من الغرفة، وهي وكأنها في حالة من اللاوعي، لا تعرف حلا لهذا الوضع الغريب، ولا تدري ما الذي يصيبها في حضرته. تلفها حالة من الارتباك، ولا تجد القدرة على الرفض. فضربت بكف يدها على جبهتها، مرددة: ـ يا مَرَي! هي مالها الدنيا بتلف بيا كده ليه؟ أنا كأني دوخت تاني... ودا اسمه إيه ده عشان أتعالّج منه بس يا ربي؟ ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ داخل منزل عرفان، كان يتأنّق أمام المرآة، يبرم شاربه بين إصبعيه بإعجاب وزهو، يداعب خياله صور الجميلة التي ينتظر موافقتها على أحرّ من الجمر. لقد أغراها بالمال الذي يجعلها تخرّ وتنصاع إليه، سيرفعها من حياة الخيش والخيام إلى رفاهية لم تحلم بها في أقصي خيالها يومًا، ليعيش معها أيّامًا وليالي يعود فيها عشر سنوات للخلف. نورة الجميلة تستحق المال الذي يُدفع من أجلها. في غمرة شروده، لم ينتبه لتلك التي كانت متكئة على إطار الباب، تراقبه منذ فترة بابتسامة ساخرة، وكأنها تقرأ ما يدور في رأسه. حتي كشفت نفسها بمصمصة من شفتيها وصلت إليه، ليلتفت إليها بضيق هادرًا: ـ واجفة على الباب زي الغيمة وبتمصمصي بخشمك؟ مش عاجبك ولا اي يا بت الفرطوس؟ تنهدت وهي تضرب بكفها على ظهر الآخر قائلة بسخرية لاذعة: ـ معلش يا جوزي الغالي، أصلي شوفت منظرك وانت بتتمرى خطف قلبي، مقدرتش أمنع نفسي وأنا بتفرج على الجمال والحلاوة. جلابية مكوية، والشال الصوف، والعطر التقيل اللي يزكم النفس من ريحته، ولا الجزمة الجديدة ولا العِمّة والشنب المبروم... دا انت ولا اكنك عريس يا راجل! أمال برأسه نحوها بنبرة يفوح منها الكيد: ـ طب ما أنا فعلًا عريس، وقريب جوي هتيجي اللي تنوّر الدار... عروسة إنما إيه! تنوّر في الضلمة من حلاها. ـ واسمها نورة. أضافت بها ببرود، تُظهر عدم الاكتراث، قبل أن تتابع: ـ الغجرية اللي صيتها واصل لآخر البلد... رغم إنها لا رجاصة ولا حتى بتغني، بس حلاها وجَلَعها بيخلي الرجّالة تريل عليها منين ما تخطّي. قبض على ساعدها فجأة، رافضًا كلماتها الأخيرة: ـ نَقّي ألفاظك واحترمي نفسك... اللي بتتكلمي عليها دي هتبقى ستّك وتاج راسك. ـ طبعًا... أمّال! ستّي وتاج راسي. تركها فجأة، يتحرك بضيق بعد أن عكّرت مزاجه. طاعتها المستفَزّة كانت تشعره بالاختناق، وعدم الراحة، وكأن حيّة تطبق على أنفاسه. لتعلّق هي في أثره بغل: ـ اعمل على كيفك يا عرفان وقلّ جيمتك زي ما انت عايز، بس أنا مش هسكت ولا هسلّم وأرضى بالذل، حتى لو وصلت إني أدبحها وأبخت بدمها عتبة البيت. ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ توقفت السيارة أخيرًا أمام باب المنزل. ترجّلت مستندة على ذراع شقيقتها، بعد لحظات مرّت عليها كالدهر داخل السيارة التي يقودها برويّة، وعيناه تقتنصان بين الفينة والأخرى نظرات نحو المرأة الأمامية التي عدّلها علي وجهها وقد أستقلت المقعد الخلفي تتوسط شقيقتيها ، لا تعلم لما الإصرار على إثبات الخطوبة المزعومة حتى في أدق التفاصيل! ـ ما تيجي تتفضل معانا يا أستاذ خليفة؟ إنت مش غريب. توجّهت إليه روضة بالدعوة أثناء ترجلها بابنتها، فهَدَاها ابتسامة صفراء وهو يردّ: ـ طبعًا مش غريب... بس ميصحّش والساعة عدّت تمانية. اعتماد هتصل بعد شوية أطمّن عليكي. توقفت رغد، تجبرها على الالتفات إليه، تحدّق فيه وكأنه يخاطب امرأة أخرى بنفس الاسم. ليعيد مؤكّدًا بنبرة مرحة: ـ بقولك هتصل بيكي بعد شوية أطمّن عليكي... ولا استنّي، صحيح. قطع كلامه وفتح باب السيارة الأمامي، يتناول منه شيئًا قدّمه لها: ـ تليفونك... للأسف نسيتيه امبارح. تطلعت إلى ما يقصد، فوجدت العلبة نفسها التي رفضتها منه من قبل بعدما عطّل لها اثنان. ما زال محتفظًا بها ليقدّمها لها الآن! ـ طب امسكي عنها إنتِ يا رغد، يمكن تعبانة من شيلته كمان. توجّه بها بمكر نحو الصغيرة، التي التقطته بلهفة وسعادة من أجل شقيقتها بهذا الهاتف باهظ الثمن من ماركة تعرفها جيدًا هي وكل جيلها. غافلة عن غضب صاحبة الشأن ورغبتها في الرفض. ـ خُد تليفونك، أنا معايا واحد شرياه قريب. نظر إليها وكأنها تقول شيئًا ينافي المنطق، قبل أن يتوجّه إلى شقيقتها: ـ ما حدّ يفهّمها يا بنات... إيه دخل هديتي بتليفونها اللي شارياه جديد؟ ـ لا طبعًا، ملوش دخل. هتفت بها روضة، لتخطف الهاتف من يد رغد تتأمله بانبهار متابعة: ـ إنت خطيبها، والهدايا دي شيء عادي جدًا بين الخطّاب. لوّح بكفّه وقد أغلق عليها باب الاعتراض: ـ أهي قالتلك أها... تصبحي على خير يا اعتماد. ـ وإنت من أهله. تمتمت بها مرغمة، تجاري كذبه، ثم مضت مستندة على ذراع شقيقتها. فلم ترَ ابتسامته التي وسعت فمه وأنارت وج هه. من كان يصدّق أن تلك الشرسة سيأتي عليها وقت تصير فيه كالحمل الوديع، في لعبة غير مقصودة وجدت نفسها بداخلها؟ ......يتبع لفصل الواحد والأربعون – ج٢ دلفت خلفه تُغلق باب المنزل بعد عودتهما من الخارج، في هذا اليوم المُثقَل بكل الأحداث التي جرت فيه. كان يتقدّمها وهو يحمل ابنه ريان الذي غفا نائمًا داخل السيارة في طريقهم، ليسير به حتى باب غرفته. ولج داخلها ليضعه على فراشه، فتقدّمت هي تجاور الصغير على التخت، لتخلع عنه الحذاء ثم المعطف بحرص حتى لا يشعر. إلا أنّه تململ وكاد أن يستيقظ، لكنها سارعت لتهدهده، تمسح بكفّها على شعر رأسه وتتمتم بالآيات القرآنية والأدعية الحافظة. وتوقّف هو لبرهة من الوقت يراقبهما بسعادة تشعّبت داخله؛ زوجته الحانية على طفله وكأنه طفلها الذي أنجبته من بطنها. تلك المشاهد تتكرّر أمامه يوميًا منذ زواجه بها حتى أصبح يعتادها وكأنها أمر عادي، وهي في الحقيقة أمنية عزيزة من الله عليه بها حتى من قبل أن يطلبها منه، كما تفضّل قبل ذلك بأن رزقه بها. هي حقًا هديته الكبرى. تنهد بخفوت ليجرّ أقدامه بهدوء حتى خرج، ثم تحرّك حتى وصل إلى الغرفة التي تجمعه بها كي ينتظرها. خرج إلى شرفته يتأمّل السكون داخل المنطقة الهادئة الخاصة بهما وحدهما؛ أفدنة من المزروعات على طول البصر أمامه، وفي الجانب الآخر منزل والديها وشجرة التين العتيقة وما أصبحت تحمله من ذكريات جميلة لقصة العشق التي جمعته بها. تهون الحياة بكل مشاكلها وهمومها ومسؤولياتها أمام أن يُرزقك الله بمن تحب. هذه هي السعادة الكاملة، أو تكاد أن تكون كذلك، فلا ينقصها سوى هذا الشيء الجميل الصغير الذي ينتظره على أحرّ من الجمر. وصله صوت صرير الباب مع دفعها له ودخولها، وصوتها ينادي باسمه، قبل أن تشرع في خلع ملابسها، تبدأ بالحجاب الذي كان ملتفًا على رأسها، فانفرط شعرها الحريري بنعومة يتمرّد من عقدته كدائرة في الخلف وينزل على ظهرها. وقبل أن تخلع عنها العباءة السوداء، كانت ذراعاه قد عرفتا طريقهما لتحاوطاها من الخلف، يغرق وجهه بين ثنايا عنقها ليتنعّم بنعومته بعد أن أبعد مجموعة ليست هينة من خصلاته، يمر بشفتيه بتأنٍّ وتلذّذ، ورئتاه تتنشّقان رائحته دون كلل أو ملل. وكانت هي أيضًا قد سكنت بين ذراعيه مستمتعة بقربه وغرامه لها. من كان يصدق أنّ امرأة مثلها كانت لا تطيق الرجال، يأتي عليها اليوم وتعرف قيمة ذلك الشعور الذي كانت تصفه أمامها عددٌ من النساء كزوجة شقيقها. مهما كان عمر المرأة ومهما كان حجمها بين يدي رجل محبّ، تصبح شيئًا آخر، شيئًا ليس له وصف بالمعنى الحرفي من فرط روعته. فتحدّث بصوت هائم تلفح أنفاسه بشرتها: ـ أنا ليه بحس إن اليوم بيطول جوي على ما أوصل معاكي للحظة دي؟ بقيتي بتوحشيني حتى وانتِ معايا وفي بيتي يا قلب حمزة. فكّت ذراعيه عنها لتقابله مواجهة عينيه بعينيها، فتحاوط بكفّيها الناعمتين وجهه: ـ إنت اللي قلب مزيونة وعينيها وروحها كمان. ما أعذب كلماتها لترطّب على قلبه بعد يوم طويل ومشحون. أغمض عينيه متأوهًا، ليقطف من رحيقها الذي يسكره فلا يشبع منها أبدًا. في وصالها حلاوة لم يعرفها حتى في زواجه الأول؛ وصال القرب من الحبيب لا يضاهيه شيء، وهي ليست حبيبة وفقط، بل هي قطعة من روحه. حين توقّفت قبلتها العاصفة أخيرًا، استند بجبهته على مقدّمة رأسها كي يلتقطا أنفاسهما، ثم تحدّث معبّرًا عما يجيش في صدره: ـ قلبي بيرفرف في كل مرة بشوفك فيها مع ريان، وحنيتك عليه بتشعلل في راسي عشان أشوف عيالي منك. ولد زي ريان ولا بنت حلوة وشبهك... لا، صحيح أنا مش عايز عيل واحد، أنا عايز عيال كتير، أتكعبل فيهم طول ما أنا ماشي في البيت... ولاد الكلب اتأخروا ليه؟ كانت قد هدأت أنفاسها وشردت دون تجاوب معه، وكأن الحديث لا يعنيها. ليرفع ذراعيه عنها ويبتعد بمسافة، يقابلها بنظراته، يتأمّل عينيها المتهرّبة، وملامح وجهها التي يعتليها شيء من الضيق أو ربما الملل. قبض على صدره ألّا تشاركه ما يتمنى ويتوق إليه: ـ مزيونة، إنتِ بتضايقي في كل مرة أكلّمك على الخلفة صح؟ ـ هممم... همهمت بردّ فعل عفوي قبل أن تتدارك حجم غضبه، فقالت رافعة كتفيها وتهبطهما في اللحظة نفسها: ـ وأنا إيه اللي هيخليني أضايق؟ وهو في الأول وفي الآخر العيال دي رزق من ربنا يعني... توقّفت تلتفّ عنه لتشغل نفسها بفك أزرار العباءة قبل خلعها، لكنه كان بالمرصاد، ليقبض على ساعدها ويعيدها مواجهة له هاتفا بها: ـ أهو دا أكبر دليل إن الأمر مش في بالك ولا هامك أصلًا. ولو استمر التأخير كمان سنين برضو ولا هتسألي، عشان مش فارق معاكي ولا هامك اللي يربطك بحمزة. دارت حدقتاها بسأم لتدافع عن نفسها بنفاد صبر من إلحاحه: ـ الله يسامحك يا حمزة، أنا برضو مش هرد عليك، عشان انت عارف ومتأكد إن كلامك غلط. أنا لو كنت مش عايزة خلفة منك على الأقل كنت خدت وسيلة تمنع، لكن ربنا مجابش لحد دلوك، أو يمكن مش كاتب هنتبتر بقي. واحنا ربنا رازقنا بالواد والبت ومكفّينا، ألف شكر وحمد ليه. ختمت الأخيرة تقبّل ظهر كفّها وباطنه، ليرد هو بعد فترة من الصمت: ـ يعني إنتِ من الأول كنتي ناوية على الوسيلة بس اللي منعك إصرار العيل الكبير جوزك على خلفة انتِ مش في بالك ولا عايزاها. ويمكن يكون هو دا السبب في إنك محبلتيش لحد دلوك. وأنا واثق مليون المية إن لو قعدت عشر سنين برضو مش هتسألي، والأكيد إنه مش هيحصل طول ما انتِ ما عندكيش الرغبة... جاءت الأخيرة بصيحة عالية أجفلتها، لتبادله الردّ بحدّة: ـ وإيه دخل الرغبة في إنه يحصل أو ميحصلش؟ دي حاجة بيد ربنا، اعترض بقى يا حمزة. ـ لا مش هاعترض ولا هضايق، اعملي ما بدالك يا مزيونة. إذا كنتي انتِ مش هامك تجيبي عيال مني، أنا كمان مش عايز عيال منك. أنهى صيحته وتحرك يتناول من خزانة ملابسه طقمًا بيتيًا على عجالة حتى يبدّل ما يرتديه الآن، ثم توجّه لمغادرة الغرفة، لكنها تشبّثت بذراعه تمنعه: ـ استنى عندك، واخد هدمتينك دول وطالع تبيت برا الأوضة عشان بس كلمتين جروا ما بينا؟ دي أول مرة تعملها يا حمزة. أجاب ناظرًا إليها بقوة: ـ واعتبريها برضو مش آخر مرة. ما هو يعني، أبيت هنا ولا أبيت برا مش فارقة. عن إذنك بقى عشان دماغي تقلت. ونزع ذراعه منها في الأخيرة ليتمكّن من الخروج صافقًا الباب بعنف، فسقطت هي على الفراش بانهيار، لا تصدّق كيف حدث الشقاق بينها وبينه في أقل من لحظة، لتتبدّل لحظتها من عشق خالص إلى هذا الشجار الحامي. لماذا لا يقدّر حالتها؟ كيف عليها أن ترضيه في شيء أكبر من طاقتها؟ لقد اتخذت الرضا منهجها فيما قسمه لها رب العالمين حتى قبل أن يرزقها إياه، ثم منّ عليها به وبابنه الذي تراه عطية الخالق لها. يتّهمها أن السبب خلف عدم الإنجاب حتى الآن هو عدم رغبتها، وهي لا تنكر، ولا تريد تكرار مآسيها في محاولات كادت أن تموت بها. لو ذاق مرار الألم مثلها ما كان تحدّث بهذا الجبروت. لا تريد الإنجاب ولكنها تريده، لماذا لا يفهم ويرضى مثلها؟ ـــــــ ✦ ✦ ✦ــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ ــ داخل منزل اعتماد كانت اعتماد ما بين الصحو والنوم في تلك اللحظات، بينما شقيقتها رغد تتلاعب بالهاتف الجديد، تستكشف إمكانياته الحديثة والمتطورة، وتخبرها في كل مرة بما تكتشفه، فتجاريها اعتماد بهزة من رأسها وهي تتهيأ للنوم. حتى صدح صوت نغمة الاتصال الجديدة، فتوسّعت عينا رغد بلهفة نحو الرقم المسجَّل بيد صاحبه: (خطيبي) لتهلّل رغد وتجفل شقيقتها: ـ (خطيبي)؟! إنتِ مسجّلة عمي خليفة باسم "خطيبي"؟! معقول يا أبلة اعتماد؟ أجابتها اعتماد وهي تشير إلى نفسها بتشتّت وعدم تركيز: ـ خطيب؟ وخليفة مين؟ هتفت رغد تخبرها قبل أن تضغط على زر الإجابة: ـ هو إنتِ عندك مية خطيب؟ ما تصحي من نومك بقى! ـ أيوه يا عم خليفة، أنا رغد... رمشت اعتماد بعينيها تستوعب العته التي تحدث معها، وهي تراقب شقيقتها تتحدث مع "الخطيب الزائف" بتقدير وفرحة، وعينيها منصبتان عليها، حتى باغتتها رغد وهي تضع الهاتف في يدها بعدما أخبرته: ـ أيوه يا عم يا خليفة، اهي معاك، كلمها واسألها بنفسك. ـ يسألني عن إيه؟ ردّت رغد بحزم وهي تعدّل وضع الهاتف على أذنها: ـ بيسأل عن صحتك، ركّزي بقى ما تبقيش ممجفلة! تاهت المسكينة بين صوتٍ يناديها باسمها من الهاتف دون ألقاب، وشقيقتها التي تناظرها بابتسامة حالمة وقلوبٍ تكاد تطلّ من عينيها، تتابع مكالمة "الخطيبين". اللعنة! إلى متى ستستمر هذه التمثيلية السخيفة؟ ـ اعتماد، أنا بكلمك. ـ أيوه... أيوه، أنا معاك اهو. قالتها بارتباكٍ وصل إليه، وبما أنها تجاريه، فهذا يعني أن شقيقتها لم تغادر بعد. إذن فليأخذ فرصته: ـ عاملة إيه دلوك؟ لسه الهبوط والدوخة موجودين برضو؟ أجابت بتلعثمٍ واضح تشير لها كي تخرج، والأخري تحرّك رأسها بالرفض: ـ لا، الحمد لله كويسة دلوك، حتي كنت هنام. ـ من دلوك يا اعتماد؟ والساعة لسه ما جتش عشرة! لا لا، أنتِ لازم تعودي نفسك على السهر، مينفعش كده يعني. ضحكت رغد بصوتٍ خافت واضعة كفها على فمها بعد أن التقطت كلماته، لتجبر اعتماد هذه المرة على طردها: ـ جومي من جمبي يا بت، جومي! ـ طب مش هكررها تاني... ـ قومي بقولك! اضطرت رغد في النهاية للانصياع، وخرجت على غير رغبتها. عادت اعتماد لتكمل المكالمة، دون تمثيل هذه المرة، لكن بحذرٍ حتى لا يعلو صوتها ويصل إلى خارج الغرفة: ـ ألو... يا أستاذ، ممكن بقى نفضّها؟عشان أنا تعبت. وكالعادة تلقّى تذمّرها بهدوءٍ شديدٍ يمتص انفعالها: ـ يا ستي ألف سلامة من التعب، أنا عارف إن الوضع مربط، بس قريب إن شاء الله هتتحل. تنهيدةٌ خافتة وصلته كإجابةٍ منها، فتابع مردفًا: ـ طب أنا فعلاً كنت بتصل عشان أطّمن عليكي، ودي مش محتاجة تمثيل. ابتسامة خفيفة بزغت بطرف فمها، تردّ بذوقٍ يستحقه: ـ لا طبعًا مش محتاجة تمثيل، علي العموم ألف شكر على السؤال. ـــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ اختار غرفةً جانبية ليبيت بها ليلته، وربما ليالي أخرى كثيرة — لا يُستبعَد ذلك — فالغضب بداخله يتفاقم بصورة لا يُحتملها. منذ بداية زواجه بها وهو يقدّر حالتها ويتعامل مع عقدها برويّةٍ وهدوء، حتى تخطّت واستجابت، لتسير الحياة بينهما على أجمل ما يكون. لكن تبقى أمنيته الأعظم هي ترسيخ العلاقة وتوطيدها بالإنجاب منها. قلبه يهفو لحمل العديد من الأطفال، وهي تُلقي بأحلامه خلف ظهرها ولا تُعيرها اهتمامًا. يعرف بالمآسي التي تعرّضت لها وهي صغيرة، والتي كانت سببًا في كرهها لتكرار التجربة، لكنه أيضًا يُعوّل على معزّته في قلبها، على ذلك العشق الذي يدفعها لمقاومة أشباح الماضي من أجله. وهي تعرف جيدًا أنه لن يتركها وحدها أبدًا، سيفعل المستحيل لإنجاح التجربة. لقد فعل الكثير من أجلها، وحان الوقت لتحاول وتفعل هي أيضًا من أجله. انتزعه من شروده صوت حركةٍ بمقبض الباب، ثم دُفع الباب إلى الداخل، يسبق دخولها عطرها المميز الذي لا تضعه إلا مساءً من أجله. أغمض عينيه سريعًا متظاهرًا بالنوم قبل أن تقع أبصاره عليها، تاركًا المهمة لباقي حواسه في متابعتها: صوت خطواتها الخفيفة، حتى اقتربت لتحطّ بجسدها على الفراش بجواره. تضاعفت رائحة العطر في أنفه رويدًا رويدًا مع اقترابها، حتى شعر بها داخل رئتيه حين دسّت نفسها أسفل الغطاء في حضنه، تلصق جسدها الطري بصدره القاسي. الوضع أصبح خطرًا، وهو بالكاد يقاوم سطوتها عليه؛ لا هو بقادرٍ على ضمّها، ولا بقادرٍ على دفعها عنه. لكنها لم تترك له خيارًا، إذ عدّلت وضعها لتلفّ ذراعه الذي تخدّر من لمستها حول خصرها، والآخر جعلته أسفل عنقها، لتنام قريرة العينين... وليحترق هو بنيران شوقه. نظر من أسفل جفنيه حين شعر باسترخائها، لتتّسع عيناه بغيظٍ شديد حين وجدها قد غاصت في نومٍ عميق. كم ودّ لو يخنقها في تلك اللحظة! لقد جاءت إلى حضنه لتغفو وتطرد عن عينيه النوم. ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ استيقظ صباحًا أبكر من موعده، يمارس عادته في تأملها. رغم غضبه منها بعد شجار الأمس، لا ينكر أن فعلتها المفاجئة واندساسها بجواره في الفراش جاءت عليه بمفعول السحر، كالمياه التي سقطت على جمرةٍ مشتعلة فأخمدت اشتعالها وأطفأتها. شعر بتململها، في إشارةٍ إلى قرب استيقاظها، فأغمض عينيه على الفور متظاهرًا بالنوم. وبعد لحظات، حين استيقظت، أجاد هو الدور حرفيًا. دام الصمت منها لثوانٍ، ففطن أنها تراقبه وتفعل ما كان يفعله منذ دقائق. إذن من المحتمل أنها تكشفه. ليتخذ قراره عمليًا، فتح عينيه فجأة ليقابل عينيها عن قربٍ، تطالعه بنظرةٍ هائمة قادرة على سحق إرادته في مقاومة فتنتها... تحدثت بنعومة، تلقي عليه تحية الصباح: ـ صباح الخير... يا أستاذ حمزة. ابتلع ريقه بخفة، وتحركت تفاحة آدم في عنقه، ثم اعتدل يرسم خشونةً زائدة، مجاهدًا أهواء نفسه الحمقاء حتى لا يضعف أمام حسنها، وردّ متصنعًا عدم الفهم: ـ صباح الخير يا ست مزيونة. ممكن أفهم إيه اللي جابك جاري وعلى فرشتي بعد ما سيبتلك الأوضة؟ أجابته بسهولةٍ ومكرٍ تعلمته على يديه: ـ خوفت يا حمزة، والنوم خاصم عيني وانت مش جاري. الأوضة كانت واسعة جوي عليّا، والفرشة باردة كيف الرصاص، مدريتش بنفسي غير وأنا جاية هنا أدسّي جمبك تحت الغطا. مال برأسه نحوها يجاري لعبتها: ـ ولقيتي الدفا بقى؟ وجالك النوم؟ أومأت برأسها مجيبة بابتسامةٍ متسعة: ـ في حضنك يا حمزة. لما حطيت دراعك عليّا وضميتني ليك، نمت زي العيل الصغير. ـ أنا ضمّيتك عليّا بدراعي؟! ـ أيوه انت يا حمزة، أكيد مش فاكر عشان كنت في سابع نومه. الخبيثة! يذكر جيدًا أنها هي من ضمّت نفسها عليه ولفّت ذراعيه حولها حين كان يمثل النوم كما فعل منذ قليل. عضّ على شفته بغيظٍ يمنع نفسه بصعوبةٍ من تكذيبها، قائلًا:... يمكن، برضك الواحد وهو نايم مبيبقاش دريان بحاجة، بس المهم إنك نمتي وادفيتي. مالت عليه تذكّره بنعومة: ـ في حضنك يا حمزة، انت نسيت ولا إيه بس؟! إياك تكررها تاني عاد، فرشتك متسبهاش، يا هتلاقيني مطرح ما تروح وراك، إن شاء الله تبيت على المسطبة برا تحت التينة. نظر لها رافعًا حاجبه، يعلّق باستخفاف: ـ وه، حصلت كمان تحت التينة؟! وفي الطل كمان؟ ردّت وهي تلفّ ذراعيها حول عنقه: ـ ولو رُحت السند والهند، برضو وراك وراك. حسنًا... لقد أصبح الوضع على وشك الخروج عن السيطرة. ورغم أنه لا ينكر حاجته الشديدة لدلالها، فإنه أيضًا لن يتنازل عما يريده، ولن يضعف، بل الأصح عليه أن يزيد بجرعاته. نزع ذراعيها عنه بخفّة، بعكس ما يعتريه: ـ يا ستي تشكري على ذوقك، أسيبك بقى معلش عشان ورايا مشوار، عن إذنك. ونهض فجأة من جوارها على الفراش، يتركها تناظره بذهولٍ مغمغمة: ـ وه يا حمزة، مشوارك بقى أهم مني؟! لتنتفض فجأة عن الفراش هي الأخرى، تتبعه مردفة بخطواتٍ سريعة: ـ طب والله ما أنا سيباك النهارده! ـــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــ ✦ ✦ في المنزل الكبير، تحديدًا في شقة خليفة، وقد تأخر قليلًا عن موعد استيقاظه، فلم يشعر بمن دلفت منذ لحظات وجلست بالقرب من تخته تراقبه قبل بدء المواجهة بينها وبينه. وقد قضت ليلتها على نيران تأكل أحشائها، منذ علمت بما فعله لتلك الحمقاء التي تظن نفسها نداً لها. لولا منع المعلون حمزة من تنفيذ ما كان يدور برأسها لكانت أستراحت الآن بعد أن طردتها من منزلها والبلدة بأكملها. من هي لتتحداها؟ من هي لتساوي رأسها بها وتأخذ ما يخصها؟ نعم هو يخصها لأنه زوجها، حتى وإن تمرد هذه الأيام وبدأ يصدر منه ما لم تتحسبه، لكنه في النهاية لها: هي زوجته وابنه عمه، ولن يشاركها به أحد. لابد أن يعرف بتلك المعلومة ويضعها جيدًا في ذهنه. ـ خليفة... قوم يا خليفة واصحى، أنا عايزاك... خليفة... في الأخيرة قد استيقظ، رفع أبصاره إليها بتشتت، ليناظرها بصمت لعدة دقائق حتى عاد إليه وعيه، فاعتدل بجذعه جالسًا، فرك بكفيه على عينيه، ثم زفر بضيق حتى جعلها تردف بحنق: ـ إيه يا خليفة؟ مالك؟ قلبت وشك ليه؟ اتصبَّحت بوش عفريت؟ احتدت ملامحه نحوها ليرد عليها بضيق: ـ يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، إنتِ جاية من بيت أبوكي تصبِّحيني بنكدك؟ عايزة إيه يا هالة؟ ـ عايزة أتحّدت معاك، ما أنا مش هسيب اللي ما بينا معلق كده، لازم أرسّي على حل. صاحت به لتجلس على المقعد المقابل لتخته؛ لينهض هو نافضًا فراشه بعنف، يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار بها: ـ يعني مقدراش تتصبري على ما أتصبح زي بقية الخلق ولا حتى أشرب كوباية شاي، على الأقل أهيئ راسي لللت والحديت معاكي. ـ ليه وهي راسك مش عمرانة من مشاوير العربيات وتوصيل الهانم هي وأخواتها؟ أومأ ناظرًا إليها باستيعاب وقد فهم الغرض من مجيئها المفاجئ، ليرد بحزم ليوقف سخريتها: ـ أولًا دي عربيتي وأوصل فيها اللي أنا عايزه، ثانيًا إنتِ ميخصكش — أنا حر. صاحت به بغضب متصاعد: ـ حر إنك تتجوز عليا؟ تخطب وأنا على زمتك؟ ومن مين؟ من واحدة ما أستنضفش، أشغلها خدامة عندي... ـ اتملي يا هالة بدل ما تجبريني أوقفك عند حدك. ـ خليني أشوف هتوجفني عند حدي إزاي يا خليفة؟ هتضربني ولا تطلقني؟ في كل الحالات مش فارقة معايا يا حبيبي، عشان أنا على حق؛ أنا بت عمك وأم عيالك، أنا بت القناوي يتجاب عليا ضرة زي دي؟ لم ينجر لعصبيتها أو ينفعل؛ بل العكس، فرغم غضبه الشديد منها استطاع أن يحجم انفعاله رغم قسوة ما يعتريه من الداخل: ـ كل اللي هامك أنا أنا. عارفة يا هالة المشكلة مابينا إيه؟ هي إن الموضوع عندك ما يتعدي سوي المساس بكبرياءك، وإن واحدة زي دي يتقال إنه خليفة فضلها عليكي... توقف برهة، ثم أردف بأنفاس ملتهبة تصدر من حريق صدره: ـ ما هو مش معقولة يعني واحدة في جمالك تاخد المغرز مرتين؛ الأولى لما حمزة فضل المهندسة بنت البندر عليكي ودلّوك اعتماد الـ... ـ أيه اللي إنت بتقوله يا خليفة؟ متخربطش في الكلام. صاحت تقاطعه بانتفاضة سرت داخلها، تنهيه ألا يتابع: ـ إيه دخل ده بده أصلاً؟ ولا أنت بتخلق كلام من مخك عشان تبرر لنفسك؟ ـ لأ مش ببرر لنفسي يا هالة، بس أنا بواجهك بالحقيقة اللي إنتِ مش عايزة تعترفي بيها؛ مش عايزة تعترفي بنارك اللي لسه قايدة من حمزة... ولا قادرة تنسي عملته ولا عارفة تشيله من مخك أصلًا. ـ احترم نفسك يا خليفة. صاحت به تنهره، تنهض من جواره بجزع، لا تصدق ولا تستوعب ما أردف به بسهولة، لكنه كان مصراً هذه المرة على إخراج ما في قلبه: ـ تفتكري الكلام ده هين على راجل زيي إنه ينطجه بلسانه؟ ولا إنها سهلة عليا لما أحس إن مرتي مش شايفاني أصلاً؟ طول الوقت تغلي من حمزة — والمرا اللي يتجوزها حمزة، بتكرهيه وفي نفس الوقت عينك ما بتشالش من عليه لو في وسط قعدة فيها مية نفر. ـ اسكت! صرخت بها غير قادرة على سماع المزيد، واضعة كفها على فمها، بجسد يرتجف، وقد كان هو بملامح حجرية أمامها، صلب وقاسي كأنه أصبح رجلًا آخر، أو ربما هو نفسه ولكن هذا الوجه الذي تراه منه لأول مرة. ألهذه الدرجة كانت غافلة عنه؟ ـ على فكرة بقى، كل اللي في دماغك دا أوهام، إنت زرعتها في مخك. تلقى إنكارها بثبات شديد: ـ اعتبريه زي ما تِعتِبِريه يا هالة، اضحكي على نفسك. إنما أنا بجيبلك من الآخر، عشان الكيل طفح؛ واللي كنت بستحمله زمان— دلوك ماعدش ينفع. شوفي نفسك بقى، عشان أنا عرفت اللي أنا عايزه كويس جوي. دبت بها روح الكبرياء، لتصيح به متناسية كل ما سبق وعبر به عن معاناته معها: ـ وانا بقولك لاه يا خليفة، عوز أي حاجة ترضيك لكن جواز عليا لاه؟ يا كده يا كل واحد يروح لحاله. ارتفع كتفيه وتدليا مرة ثانية يخبرها بهدوء ووضوح: ـ والله الإختيار في يدك وإنتِ حرة. ــــ ✦ ✦ ✦ـــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــ يبدو أنها قد عرفت مكانه وميزته؛ لتأتي الآن وتتابعه وهو يسبح في مياه النيل، الغبي الذي يعيب من على أصلهم وهو يغوص في المياه العذبة بكل حماقة دون أن يقدر غرضها الأساسي وهو شرب الناس منها. لكنها لا تنكر حرفيته وكأنه غطاس ماهر؛ تعلم جيِّدًا السبب الأساسي الذي جذبها إليه من البداية رغم غيظها الشديد من تعجرفه وغروره عليها بغير حق — من هو أصلاً ليرى نفسه عليها؟ تنهدت بخفوت لتقع عيناها على جلبابه والصديري الذي يرتديه، فدنت بخفة تلتقطهما، ثم تقوم بجولة تفتيش سريعة. أخرجت منه الهاتف وعددًا من المفاتيح المتشابهة، سحبت أحدها، وحافظة النقود التي فتحتها تقلب فيها سريعًا لتعرف محتوياتها. فخرج هو بعد لحظات قليلة، ليجدها واقفة في انتظاره تطالعه بجرأة كعادتها والمياه تتساقط منه. فغمغم بسب نابية قبل أن يرد يغمغم بصوت أعلى: ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بيطلعوا منين دول؟ أصدرت من فمها صوتًا ساخرًا لتردف: ـ جنية مية يا غالي، يعني أطلع في أي وقت وأي مكان. تهكم رافعًا حاجبه، وبنظرة تعرفها جيدًا اقترب وجلس على ذلك الحجر ليمسح بالصديري، يجفف جسده المبلل وشعر رأسه، ليقول بغيظ من متابعتها له: ـ أممم طب يا جنية يا اللي بتطلعي في أي وقت، مش عيب برضه تبصي على شب غريب وهو لوحده كده وفي حته مقطوعة؟ طب حتى راعي إنه صاحب خطيبك، ولا الخشا حتى في دي رايح. تخصرت أمامه بعدم اكتراث، ثم تحدثت مصححة له: ـ أولًا هو مش خطيبي عشان أعمل حسابه. ثم حكاية الخشا دي خليها مع حد تاني. انت الواحدة تتكسف منك ليه يعني؟ على هيبتك ولا على حالك وجمالك؟ احتدت عينيه في النظر إليها من أعلى إلى أسفل يستهزئ منفعلاً في الرد عليها: ـ لا اسم الله على حلاكي وجمالك انتِ يا بنت، غرك شوية البياض ولا الرجالة اللي بتريل عليكي. لا انتِ تروحي البيت وتبصي على نفسك في المراية كويس يا بت، ولا تسوي بصلة في سوق الحريم. بضحة واثقة ردت تشير بإصبعها على نفسها: ـ لا أنا عارفة نفسي كويس جوي يا حبيبي. لا محتاجة المرايات ولا الرجالة اللي بتلف ورايا كيف الدبان وين ما رِجْلي تخطي؟ والدليل صاحبك اللي هيموت على كلمة مني، أنا منشفة ريقه وسيباه يلف حوالين نفسه. ـ وليه بقى سيباه يلف حوالين نفسه؟ مش راضية تردي ولا تريحيه ليه؟ مش قد المقام ولا شايفالك شوفة غيره؟ ـ لا دي ولا دي، الحكاية إنه مش عاجبني أصلاً. قالتها في رد سريع عليه، ليتابع سخريته: ـ ولما هو مش عاجبك بتعشميه ليه في حبالك الدايبة يا ست البرنسيسة؟ ليلاتي يصرف ويكع دم قلبه عليكي. إنتِ وأهلك مزاج عندك يا أختي. ـ لا مش مزاج يا غالي، بس أنا عارفة إن يوم ما أرد عليه هبقى مطرودة أنا وأهلي برا البلد. لكن رفضي لطلبه مسألة وقت مش أكتر... على الأقل بعد ما أرسى على بر. غمغمت الأخيرة بصوت منخفض وصل إليه، مع تلك النظرة التي رمقته بها، ليناظرها باستفهام، لكن سرعان ما توصل إلى تخمينه هاتفا: ـ وه، ليكونش عينك مني يا نورة؟... عينك مني يا بت؟ هتفت هي الأخرى بنكران مكشوف: ـ لا عيني ولا ودني يا خوي، بلاش تتغر في نفسك قوي كده يا عم الوسيم؛ انت مين أصلاً عشان تملا عِيني؟ قهقه ضاحكًا بقوة ليرتدي جلبابه، يردد مؤكدًا: ـ لا أملا عينك يا نورا؟ بالمقارنة مع الدغف عرفان أملا عينك، على الأقل أصغر منه وفاضي وعازب، ولا ورايا مرا ولا عيال. دا غير إن معنديش تقل دم عرفان ولا بجاحته في نظرته للمرا. حكم دا غشيم وبصته مفهومة لأي واحدة مفتحة زيك؛ لو ميالة أكيد تعجبها النظرة دي، أنما لو كارهة زيك تخنقها... لقد أصاب الحقيقة، حتى أنها لم تجد الحجة هذه المرة لتكذيبه، فقال بتساؤل: ـ ولما أنت ناصح وليك خبرة واسعة كده مع الحريم، ما اتجوزتش ليه لحد دلوك؟ يكونش أنت كمان عندك اللي تشغل بالك؟ انتفض بانفعال مفاجئ، وقد لامست الجزء الخطر بداخله، ليجأر بها وينهرها رافضًا تدخلها السافر في شؤونه: ـ شكلك أخدتي عليا جوي يا بت الغجر، امشي يا بت من هنا بدل ما يبجى طردكم على يدي أنا، امشي... بحنق مضاعف اشتعل بأوردتها، شاعرة بالإهانة، تحركت مغادرة من أمامه، تنهب الأرض بخطواتها، حتى إذا وصلت لمسافة آمنة نادت تلفت انتباهه مرة أخرى: ـ عطوة... حاجتك دي؟ تطلّع إلى ما تشير إليه بيدها المرفوعة في الهواء أمامه، ليهمهم متذكرًا يبحث في الصديري أسفل جلبابه: ـ يخرب بيت أبوكي، دي كنها محفظتي والتلفون والمفاتيح، هاتي حاجتي يا بت. والله لو لطشتي من المحفظة حاجة... تحركت رأسها برفض لتلقي الهاتف وسلسلة المفاتيح على الأرض العشبية أسفلها، حتى أعطته الأمان. لكن عند الثالثة التي هددها بها فاجأته بدفعها بطول ذراعيها حتى سقطت داخل مياه النيل، ليصيح بجزع وعدم تصديق: ـ يخرب بيت أبوكي، المحفظة... وكان ردها ابتسامة متشفية قبل أن تأخذ طريقها راكضة من أمامه، موقنة أنّه لن يستطيع الإمساك بها، وأن فعل فسيصبح أضحوكة أمام الناس الذين سوف تجمعهم عليه بصراخها. علّق في أثرها بغيظ شديد وقلة حيلة بعد أن ضاعت فرصته في اللحاق بها والانتقام: ـ فرسة لما تفرسك ولا دم يصبغك صبغ. الفصل الثاني والأربعون دوار يلف رأسها منذ ايام ولا يتوقف إلا قليلا، بالإصافة للوهن المستمر وكأنها لا تتغذى ولا تاكل اصلا، وربما هو كذلك فالشهية عندها تقارب المعدومة، وان جبرت على نفسها لا يظل الطعام بمعدتها خرجت من المرحاض بعد ان أفرغت ما بطنها تستند بضعف على الجدران حتى اذا وصلت إلى التخت ارتمت عليه تسحب الغطاء لتريح رأسها وجسدها ، ثم غاصت فى نوم عميق، فلم تشعر بنفسها إلا بعد وقت لا تعلمه، حين عاد زوجها من الخارج بإزعاجه وندائه : ـ دا وقت نوم يا منى؟ ارجع الاقي البيت فاضي من العيال وانتي غطسانة في اوضتك, مصيبة لا تكوني نايمة من الصبح كمان؟ بصعوبة شديدة اعتدلت بجذعها لتجلس بنصف نوم وقد عدلت من وضع الوسادة خلفها، تطالعه فقط بوجه عابس،. ليواصل زوجها حانقا وهو يخلع عنه ملابس العمل ليبدلها بأخرى مريحة: - ساكتة يعني مبتروديش، يبقى زي ما توقعت، حكم الوضع دا بقالوا ايام يا ست منى. زفرت تقلب عينيها بسأم قائلة: ـ ما تقول عايز ايه يا منصور بدل الغاغة اللي انت عاملها؟ انا صاحية وراسي تقيلة. التقط الاخيرة ليضيف عليها: ـ تقيلة من كتر النوم يا حبيبتي، مش غاطسة في فرشتك من الصبح، حقك يا ستي، لا وراكي مدارس ولا امتحانات ولا قرف، انا بقى اللي طالع عين امي من الصبح, ولما اجي دلوك عشان اريح ولا اكلي لقمة تسد جوعي اكيد مهلاقيش، ما هي المدام من الصبح نايمة . جلس في الاخيرة بعد أن ارتدى الجلباب على المقعد الوحيد داخل الغرفة، يصب غضبه في خلع الحذاء عن قدميه، يلقيه على الارض بعنف وضجر، فتمتمت هي داخلها الاستغفار لتجبر نفسها على النهوض واعداد الغذاء له، بدلا من الجدال الذي لا طائل منه، بالإضافة ايضا أنها لا تملك القدرة على الحديث من الأساس. ولكن وما ان حطت قدميها على الارض حتى اهتزت في وقفتها فكادت أن تقع لولا أن استندت بيدها الضعيفة على قائم السرير ، حتى اثارت هلع زوجها فنهض يضمها بين ذراعيه كي يعيدها إلى الفراش برفق مغمغما بندم وتساؤل؛ ـ لا اله الا الله، ايه الحكاية؟ ايه اللي جومك مدام تعبانة جوي كدة؟ رمقته من جانب عينيها بغيظ، وانتظرت حتى أراحها على التخت بحرص ثم انضم جوارها، يضمها اليه برعب يجتاحه، فخرج صوتها رغم التعب بنبرة لائمة: ـ النوم والتعب غصب عني يا منصور، يا عني مش بتدلع ولا اتزفت، راسي تقيلة ومش فيا حيل للخدمة، ما صدقت البيت فضي بعد طلوعك على الشغل والعيال على بيت جدهم عشان انام، بس خلاص انا حاسة نفسي رايقة، هقوم اها.... ـ لا استني رايحة فين؟ مش عايز حاجة. تفوه يضغط على كتفيها يمنعها من المحاولة، وبشيء من الندم صار يراضيها: ـ دي هي لقمة مش مستاهلة يعني، اسخنها على البوتجاز ولا اكلها من الثلاجه, المهم انتي اطمن عليكي، مالك يا منى دي مش حالتك دي واصل، هو ايه تاعبك بالظبط في جسمك؟ عشان نشوف دكتور متخصص تأوهت بين ذراعيه تصف له عما بها: ـ دايخة على طول يا منصور مش عارفة ليه وجسمي همدان دايما ـ عادي نشوف دكتور الباطنة يمكن ضغط ولا أنيميا سبب الهبوط. خمن بها على ضوء ما وصفت له، لكن سرعان ما غير رأيه حين تابعت: ـ كمان مفيش حاجة بتقعد في معدتي، وكل الوكل معايا ماسخ، طول الوقت عايز ارجع تبسم رافعا حاجبه وكأنه وقع على اكتشاف مذهل: ـ حلاوته ، لا احنا كدة نحول من باطنة لدكتورة النسا،.حكم الاعراض دي معروفة، اكيد..... ـ اياك تقولها.... صاحت بها مقاطعة له, لتدفع ذراعيه عنها، وقد غرق في نوبة من الضحك يستفزها، لتردف بغضب: ـ بطل ضحكك الماسخ ده يا منصور، والتلميح اللي انا فاهماه, عشان انت عارف زين جوي ان مركبة وسيلة، يعني يستحيل يحصل اللي في بالك ـ وما يحصلش ليه اللي في بالي؟ بعيد عن ربنا مثلا؟ ـ لا مش بعيد عن ربنا، بس انا واخدة احتياطاتي عشان تعبت ما عادش فيا حيل لا للخلفة ولا لمرار العيال. قالتها بما يشبه الرجاء، وكان الامر بيده، فاهتز كتفيه يخبرها ببساطه: ـ براحتك، عايزة تصدقي ولا متصدقيش دا مش هيغير من الوافع لو فعلا حصل.... ـ بسسس قاطعته بها للمرة الثانية، لتدفعه عائدا للضحك، حتى اشفق وحاول التوقف حين راى البؤس الذي ارتسم جليا على ملامحها، فسحبها يضمها على صدره يهدهدها، معبرا عن دهشته: ـ وه وه، اهدي كده انت هتبكي ولا ايه؟ هو احنا لسه اتاكدنا اصلا؟ وحتى لو حصل برضو ما يستدعيش البكا ـ'لاه يستدعي، ويستدعي قوي كمان، عشان انا من الاساس عمالة أكدب نفسي رغم الشك اللي جوايا، فتاجي إنت تاكدها في وشي! تفوهت ببؤس وهو يكتم بصعوبه الأ يعود للضحك ثانية ، حتى لا يزيد عليها، فيراضيها كذبا: ـ معلش يا حبيبتي ما تاخديش عليا، انا إش فهمني اصلا في امور الحريم، سيبك سيبك، بكره نكشف ونطمن ، واكيد هيكون تخميني كدب. ـ والله انت اللي كداب يا منصور، بتقول كدة على اساس تاخذني على قد عقلي، انما جواك بتتمنى، انا عارفاك عشقك في الخلفة الكثيرة. لم يملك القدرة على النكران هذه المرة، وقد زاد اتساع ابتسامته, لأنه بالفعل يعشق انجاب الاطفال الكثير منها، ولكن نزولا إلى رغبتها يضطر اسفا الى تقبل الواقع في رفضها وأخذ وسائل المنع، لكن ان صح الأمر وإصاب تخمينه، ما الذي يمنعه من الفرح لأراداة الله التي تغلب كل معوقات . ـ يارب يكون مجرد برد في المعدة، وما يكون حمل ، ادعي معايا منصور لكزته بخفة وراسها مازالت على صدره ، ليسمع منها ويردد بحماس: ـ يارب يارب ليكمل بتحريك الشفاه مستغلا أنها لا ترى وجهه: ـ يارب حمل ، يارب توأم ................... ـ في أعلى منزل والديها، امام برج الحمام العتيق، كانت تدور على اعشاش الطيور في ذلك الوقت بعد أن القت إليهم بالحبوب أرضا ليتجمعوا في تناولها وتهتم هي بتنظيفها من الفضلات وابنتها ليلى التي فك أسرها اخيرا كما تصف، بعد ان طمأنتتها الطبيبة لتسمح لها بالتنقل والخروج وبعض الحركة ولكن بحرص، فكانت أول زيارة لها اليوم الى منزل والدتها الجديد بعد الزواج، بدعوة من حمزة لها هي وزوجها معاذ لحضور مأدبة طعام الغداء . كانت تضع الفرخ الصغير بحجرها تطعمه بفمها وتسقيه ايضا، وفي نفس الوقت لا تكف عن الحديث مع والدتها: ـ رئيس الشركة اللي شغال فيها معاذ، اتصل بيه امبارح وقالوا مستنيك ترجع لشغلك معانا من تاني. التفت اليها بتساؤل: ـ وقالوا ايه؟ تبسمت ليلى تجيبها: ـ قبل طبعا، بس اتفق معاه يستنى على ما يخلص حملي أن شاء الله ، والمدير وافق لاجل معزة عم حمزة عنده، يعتبرها إجازة من غير مرتب، اومات مزيونة بشئ من الفخر: ـ زين جوي، ان علاقات عمك حمزة نفعت وجابت فايدة. ـ عمي حمزة كله فايدة يا امه، مش بس علاقاته تبسمت مزيونة باتساع ثم التفت عنها تكمل ما تعمل به لتعقب على كلماتها: ـ هو فعلا كله فوائد وزي العسل كمان، بس خسارة، جايمة عليه الجنونة اليومين دول، وقالب عليا من غير سبب، قال ايه؟ بيتهمني ان سبب تأخير الخلفة مني عشان مالياش رغبة، هي الخلقة كانت بالرغبة؟! سمعت منها ليلى بلهجة عاتبة ردت: ـ مزيونة يا حرة، انتي عارفة قصده زين جوي، لأن لو فعلا عندك رغبة، هتسعي وتحاولي عشان لو في سبب يتعالج من بدايتها، عمي حمزة عايز يحس انك مشتاقة للخلفة منه يا امه. في الأخيرة كانت قد ارتخت ذراعي مزيونة عن فعل أي شيء لتتوقف، وتتنهد بثقل، وهي ومازالت تعطي ظهرها لابنتها التي تشعر معاناتها، كما تعلم جيدا عن حالتها القديمة والتي ربما مازالت تترك أثرا بها يسبب معوقات في الإنجاب، وهذا ما يجعلها ترفض الغوص فيه، حتى لا تعود إلى تلك الدائرة التي كانت تعاني فيها الأمرين، رغم أن الوقت قد تغير والزوج ايضا قد تغير، إلا أن اصعب عقدها القديمة لم تتمكن حتى الآن من تجاوزها. ـ امه، هتفضلي كتير كدة مدياني ضهرك؟ طب ردي ع الكلام اللي بقوله. خاطبتها بمرح لتجبرها على الالتفاف نحوها تجيب بمراوغة: ـ هأقولك ايه يا بت؟ وانتي بتعملي زيه وبتجيبي اللوم عليا وبتمشي ورا كلام الجنان بتاعه، دا احنا لسة مكاملناش غير كام شهر وانا اصلا مباخدتش وسيلة تمنع، يعني لو ربنا رايد، هيحصل في يوم وليلة، اديكي انتي اها، خدتي كل الحرص انتي وجوزك، ومع ذلك برضك حصل وحبلتي... ـ ومين قالك ان حبلي مكانش فيه إهمال ولا هو جه عن طريق غلطة هبلة مني؟ ـ قصدك ايه يا بت وضحي؟ سألتها مزيونة بتوجس، لتتوقف هي لحظات قبل ان تصارحها بما ظلت تكتمه لأشهر: ـ انا عندي ظن أن هالة هي السبب ـ يعني ايه يا بت؟ فسري هدرت بها مزيونة بانفعال، لتجبرها على التحدث دون مماطلة . ................................ هبطت صفا من شقتها في الطابق الثاني، بناء على طلب ابنها الذي أخبرها بوجود سيدة غريبة داخل المنزل تطلب رؤيتها. توقفت في منتصف طريقها إلى المدخل، تتأمل تلك المرأة التي تعرفت عليها من خلال ملابسها المتباينة إلى حد ما، رغم شيوعها تقريبًا بين نساء البلدة وما يجاورها من قرى. ومع ذلك، فإن الهوية المعروفة تتجلى في تلك اللمسات التي لا تصدر إلا من فئة واحدة! إذن، تلك المرأة من نساء الغجر، بجمالها الفاتن، تتقارب مع تلك المواصفات التي سمعت عنها سابقًا... تسلل إلى قلبها شعور من التوجس، هل من الممكن أن تكون هي! تلك التي تشغل بالها منذ أيام، وتمنع عنها النوم لكثرة انشغال خاطرها بها.""" تحفزت في داخلها، فتقدمت حتى وصلت إليها، مرحبة بها بارتياب وتساؤل:ـ يا أهلاً ياااا... مين حضرتك؟ ابتسمت المرأة الجذابة التي كانت تقف مقابلها، تتفحصها من أعلى إلى أسفل بجرأة ووقاحة لا تتناسب مع وضعها كضيفة غير مرحب بها، لترد بعد لحظات زادت من استفزاز صفا، بابتسامة ناعمة واثقة، تفوح منها رائحة المكر: ـ أنا نورا الغجرية يا ست صفا، سمعتي عني؟ ـ ووه، يخرب بيت أبوكي، وجيالي برجليكي لحد عندي؟ كان هذا الرد الفوري من صفا التي انتابها شعور من الذهول امتزج بالدهشة، ثم غضب اعتلى ملامحها تردف هادرة بها: ـ انتي ايه اللي جايبك بيتي يا بت انتي؟ فاكراني نايمة على وداني، ولا مش عارفة بعمايلك ولفك على الرجالة المتجوزة عشان تخطفيهم من حريمهم. شهقت نورة تدعي الإجفال تقول مشيرة بسبابتها على نفسها: ـ انااااا؟ دا مين اللي بلغك الكلام ده وافترى عليا؟ لا يا ست صفا، انا قاعدة في مكاني مأدبة وربنا العالم بحالي، الرجالة اللي بيرمو بلاهم عليا، ايه ذنبي بقى؟ ـ يعني قصدك ان جوزي انا هو اللي رامي بلاه عليكي؟ سألتها بنبرة خطرة، فردت نورة ببساطة: ـ لأ طبعا، سي عرفان دا مفيش ارجل منه، اتقدم لابويا رسمي وطلبني ابقى ضرتك في البيت الكبير ده، ما شاء الله، دي حاجة تشرح القلب قالت الاخيرة وعيناها تدور في أرجاء المنزل، مستمتعة بالذهول الذي لون ملامح صفا وقد امتقعت بشرتها بحمرة قانية وتدلى فكها بشدة ، حتى خرج صوتها اخيرا لتصرخ بها: ـ يا حلاكي يا جمالك وانتي جاية بقى تعايني البيت اللي هتسكني فيه، وضرتك الهبلة هتفرجك عليه، دا انا اخد روحك قبل ما يحصل وكانت الأخيرة هي إشارة البدء، لتهجم قاصدة القضاء عليها، والعجيب كان تصرف نورا، التي لم تقاومها، بل اكتفت بحماية وجهها، بين ذراعيها وتركتها تضرب وهي تصرخ بصوت عالي قادر أن يصل لآخر البلدة ، حتى تجمع سريعا الجيران ليفكوا الاشتباك، ويخلصوها من بين يديها، تشهق نورا من البكاء المفتعل، والحمقاء التي ابتلعت الطعم، تواصل صراخها ومقاومة البشر التي تحكم تقيدها: ـ سيبوني عليها ، اقطع من جتتها نساير نساير, الملعونة بت الغجر اللي ماليها اصل. ـ الله يسامحك بتغلطي فيا من غير ما امسك ولا اغلط فيكي، اشهدوا يا ناس عايزة تخلص عليا من غير سبب، اكمني غلبانة و مليش ضهر، ولا عشان غجرية وشغلتي اللف على البيوت، انا لو برقص أو بعمل الحرام كنت هحتاج ولا اللف من أساسه؟ ـ ليه اللمة دي؟ ايه اللي حاصل؟ قصف الصوت الجهوري يقتحم الجمع، يلفت الأبصار اليه حتى وصل إليهم يردف حين تفاجأ بتلك المحتجزة بين سيدتين, يسنداها حتى لا تقع، بهيئة مزرية تثير الشفقة وهي لا تكف عن البكاء ؛ ـ نورة! ايه جايبك هنا؟ وإيه اللي مشندلك كدة؟ لم ترد فانتقل بشرار عينيه نحو صفا التي أصابها الرعب وقد شعرت اخيرا بحجم خطأها وتلك الفضيحة اللمت بها حين أساءت التصرف مع تلك الحرباء التي تثير تعاطف جميع الحاضرين ، فما بالها بزوجها الذي كان يفوح منه الخطر، وفي الاصل لم يصفى لها بعد ترى ماذا سيفعل بها الآن؟ ................................. انتي متأكدة من كلامك دا يا بت؟ سألت مزيونة ابنتها بحالة من الغضب بعد أن قصت عليها شكوكها وظنونها، لتجيبها الآخرى: ـ والله زي ما بقولك كدة يا امي، انا كنت في بداية جوازي ولسة معرفتهاش على حقيقتها، بقت تتقرب مني بالظبط بعد سفر معاذ، يوماتي تيجي تقعد معايا ساعة أو نص ساعة على الاقل، وانا كنت بفرح بلعب البنات الصغيرين ، وبعتبره وقت مستقطع من المذاكرة، بما اني لوحدي في الشقة، عرفت عني كل حاجة حتى ميعاد الحباية الساعة تسعة المسا، واتصال معاذ بعدها عشان يتأكد اني اخدتها دي حاجة تعدي على اي واحدة زيي وشيء طبيعي اني أديها الامان لما اخد منها الحلو بعد ميعاد الحباية اللي كانت تتطلعلي فيه مخصوص وتجيبلي منه طبق عشان تدوقني. فلما يحصل معايا اسهال أو ترجيع أصدق نصيحتها، انه اكيد برد ولا شيء اخر، واني لازم اشرب حاجة سخنة تدفي معدتي، وانا غافلانة اني مفعول الحبابة اللي اخذتها خلاص راح للمرة الثانية تسألها والدتها وعقلها لا يستوعب التفكير الشيطاني: ـ برضو مش قادرة استوعب يا ليلى، عشان الشيء دا لازم يحصل وفي أيام معينة على حسب خبرتي ، ويكون جوزك معاكي، مش مسافر زي ما احنا عارفين كان بيجي يومين بس في الاسبوع . ـ بقولك كانت عارفة كل حاجة عني يا امي, يعني عارف الايام اللي كان يجي فيها والايام التانية اللي تقصديها, انا لولا أن حصل معايا الموضوع مرتين وفي حضورها والله ما كنت هشك فيها ابدا, يوم في الهوت شوكليت ويوم الميلك تشيك، تجيب كبايتين وتيجي بحجة انها تقعد معايا شويه نشرب الحاجة دي مع بعض وندردش تخلق مشاكل وهمية بينها وبين اللي حواليها وتطلب مني حل ليها وانا المغفله كنت بصدق واقعد بالساعات افكر معاها فحلول لحاجة ملهاش وجود انا متأكدة انها كانت بتحط فيهم ملين، وانا بغبائي وعقلي الصغير كنت ببلع الطعم الست دي مش هينة يا امي، يعني حتى لو اتكلمت القصة محدش هيصدقها، بس انا سيبت حقي عند ربنا وسلمت ان الطفل اللي في بطني دا ممكن تكون هي السبب فيه لكنه في الاخر رزقي ونصيبي الحلو مع راجل ساب شغله وبقى متفرغ ليا ولرعايتي. اومأت مزيونة تحرك رأسها باستيعاب، ثم رضا بمنطق ابنتها في شكر الخالق على عطيته مهما كانت الأسباب , لكن هذا لا ينفي خطورة تلك المرأة على من حولها، لقد فعلت ذلك بابنتها لمجرد الحقد منها فما بالها باعتماد التي ربما قد تصبح ضرتها في يوم من الايام، الله فقط المنجي من غدرها ............................ داخل غرفتها في تلك الشقة التي اصبحت مسكنها في منزل والديها، بأمر مباشر من والدها الذي أصبح يتجنبها ولا يطيق الحديث معها، حتى بعد أن علم بموقف خليفة في الارتباط بامرأة أخرى وهي على زمته لم يحرك ساكنا أو يتخذ موقفا ينصفها، بل العكس وكأنه اتفق مع الاخر ان العيب منها وأنها هي السبب فيما الت إليها الأمور، اللعنة عليهم جميعا، لا احد يفهما او ينصفها، ليست سيئة بل قليلة الحظ، وهذا ليس من اليوم وفقط، بل منذ طفولتها، تذكر حين كانت تلميذة في الصف الثاني الاعدادي، كان يعجبها رائد الفصل، ذلك الولد المهذب المجتهد الذي يحصد اعجاب الجميع، دائما ما كان يعرض مساعدته عليها وعلى زميلتها المجاورة لها في المقعد ، وكأنت تظنه يميزها عن الجميع بفضل جمالها اللافت ، لكن صدمتها أتت بعد ذلك حين اكتشفت انه معجب بتلك الفتاة التي تجاورها والاقل منها في كل شئ جمالا ومالا واصلا ومع ذلك فضلها عليها بل وانتظر حتى انتهت من الثانوية وتقدم لها رسمي ثم تزوجا الاثنان في عمر صغير دون التاسعة عشر ، تماما مثل ما فعل منصور مع منى الذي كان معلمها وانتظرها حتى انهت تعليمها المتوسط، ما الذي يميزهم عنها حتى لا تنال العشق مثلهم وهم اقل منها في كل شيء؟ لماذا حمزة فضل روان عليها؟ ثم تلك الجاهلة مزيونة حتى زوجها الذي كان دائما يبادر في علاقته معها.، رغم الروتينية وقلة اللهفة إلا أنه كان جيد معها حتى ظهرت تلك الخبيثة لتقلبه عليها ثم ينبذها هي في الأخير ويتهمها أنها عينيها من حمزة،...... ، كذاب فهي تكرهه اشد الكره..... نعم تكرهه وتبغضه..... ومع ذلك كانت لا تشبع من النظر إليه. ـ هاااالة انتفضت تستفيق من شرودها على صرخة والدتها التي اقتحمت عليها غرفة النوم، تمسك إحدى بناتها الصغار تدفعها نحوها: ـ بقالي ساعة عمالة انده عليكي من تحت، وانتي ولا سامعة، خدي البت دي وراعيلها، انا ولية صحتي على كدي مش حمل الفرهدة. اعتدلت هالة جالسة عن التخت الذي كانت متسطحة عليه عليه ترد على قولها: ـ وه وه, وليه التعب ولا الصراخ عليا، هي صغيرة ولا عمر ستين، دي سبع سنين ، يعني كله خمس ست سنين وتبقى بغلة كبيرة وعلى وش جواز ـ اعوذ بالله من الفاظك صاحت والدتها بضجر تنهاها، ثم اردفت بصوت بح من فرط الانفعال: ـ اسمعي يا بت كبيرة ولا صغيرة تراعليها، بتك شقيه وبتقلد الولد في الزحلقة على ضربزين السلم، ناقصة يدها تفلت, تقع وتجيبلنا مصيبة، جاتكم الهم هتموتوني ناقصة عمر بصقت كلماتها المرأة ثم ذهبت لتلتف هالة إلى ابنتها بوعيد تمسكها من رسغها ـ بت يا منة، صح اللي بتقوله جدتك ده، والنعمة ادبحك لو كررتيها انا فيا اللي مكافيا مش ناقصاكي على الفور هادنتها الصغيرة: ـ مش هكررها تاني يا امه، عمري ما هكررها ..................... حين خرجتا من المنزل القديم، كانت تصلهم أصوات الضحكات والمزاح من الثلاثة: معاذ الذي كان يتلاعب بابن شقيقه في لعب الكرة في تلك المنطقة الفاصلة بين المنزلين، وقد نمت فيها العديد من الأشجار التي قام حمزة بزراعتها بنفسه، لتبعث البهجة في قلب كل من يراها. وفي هذالتيا الوقت، كان حمزة جالساً على المصطبة الطينية يتابع بمرح ولا يكف عن التعليق وتحفيز الصغير: ـ "أيوة يا ريان، خذ الكرة، سجل هدف واغلبه يا واض." ـ "من عيني يا أبويا!" قالها ريان بتركيز متشتت مع عمه الذي لا يترك له فرصة للاستحواذ على اللعب، مستغلاً فرق العمر بينهما، الأمر الذي انتبهت له مزيونة، فتدخلت بحماية: ـ " لكن انت كدة مش مديه فرصة يا معاذ، خليه ياخد مساحته وراعِ فرق الأجسام." عارضها معاذ بمرح وقد بدأ ينطط الكرة على ركبتيه، مما زاد من حنقها في متابعة الصغير المتلهف على لمسها: ـ "مش عارف يلعب مع الكبار يبقى خليه على الدكة أو المصطبة أحسن يتفرج وهو ساكت. بص يا ولد على الحِرفنة! وخلي أبوك يبص والمدام حقي، عشان تعرفي أنك متجوزة لعيب كبير" ضحكت الأخيرة (ليلى) بفخر له، على عكس والدتها (مزيونة) التي ازدادت حنقاً من أنانيته، لتوجه الخطاب نحو زوجها: ـ "هتفضل سايبه مُشحْطَط الولد كده كتير؟ قوم يا حمزة الله يخليك، خذ منه الكرة واديها لريان، أو رد له اللي بيعمله." ناظرها حمزة بدهشة معقباً باعتراض نحو ليلى التي كانت تضحك: ـ "أمك دي عقلها ضارب، قولي لها تعقل يا ليلى، ما عنديش غير مرارة واحدة يا حبيبتي، ناقص كمان ألعب معاهم." سمعت منه مزيونة وتحفزت داخلها، لتأخذ الخطوة بنفسها: ـ "طب أنت حر يا حمزة، أنا بقى عقلي صغير وهعملها." وتقدمت بخطواتها تقترب من معاذ، ففاجأته بخطف الكرة من بين يديه لتلقيها إلى ريان: ـ "خذ يا حبيبي، ولا تحتاج لحد منهم." تطلع الثلاثة نحوها بذهول، ثم إلى الصغير الذي كانت الفرحة لا تسعه في الركض بالكرة، فتخصرت هي ناظرة إلى معاذ بتحدٍ، فضحك هو ضارباً كفاً بكف. ـ "خلاص يا عم، بطلنا لعب، أنا أقدر اعترض أصلاً ولا أتكلم يا بوي!" ليتجه بأنظاره نحو زوجته (ليلى) التي انضمت لدعم الاثنين بالتصفيق بكفيها: ـ "أيوة يا مزيونة يا جامدة، خد راحتك يا ريان أنت في حمى الكبيرة." حمزة الذي غمره الشعور بالانتشاء بما قامت به، سرعان ما تبخرت ابتسامته، وعادت إليه تلك الوساوس المزعجة، فقد وجدت مزيونة في طفله (ريان) السلوى تغنيها عن التفكير في إنجاب الأطفال منه. .................... . اعتادت أن تدير شؤونها بنفسها دون الاعتماد على أحد. وفي ذلك اليوم المشمس، أنهت تسوقها في سوق البلدة المكتظ، تحمل سلة مشتريات ثقيلة بين يديها. كانت تعلم أن المسافة إلى بيتها طويلة، وأن وزن السلة بدأ يؤذي ذراعها الذي بالكاد استعاد مرونته بعد التئام الكسر به، لكنها كانت مُصرة على إتمام مهمتها. حتى ظهر هو من العدم، يتقدم نحوها بوجه يحمل نوعاً من العبوس، بعد أن رآها من بعيد وهي تتأوه بخفوت من ثقل الحمل، فسار بخطوات واثقة حتى اعترض طريقها بلطف، ماداً يده نحو السلة قائلاً بصوت حازم: ـ "هاتي دي من يدك اشيلها." فطالعته هي برهبة، عيناها تجول في الأجواء حولهما، خوفاً من نظرات البشر المتابعة: ـ "أُعطيها لك إزاي يعني؟ طبعاً ما ينفعش، تفضل أنت شوف إيه اللي وراك، أنا هآخذ تاكسي." لو تعلم بحجم ما يكتنفه من ضيق، ما كانت تحدثت ولا عارضته من الأساس. فلم يزده رفضها إلا إصراراً. فزفر مُعيداً عليها الطلب بنبرة لا تحتمل الجدال: ـ "بلا تاكسي بلا بطيخ، هاتي السلة يا اعتماد، ولا عايزاني أُعلي صوتي ويوصل للناس اللي انتي خايفة منهم؟" وتوقف فجأة يقترب هامساً لها: ـ "نصف اللي في السوق هنا وصلهم خبر إنك خطيبتي، والباقي هيعرف لما نتعارك أنا وأنتِ لو عطلتيني أكثر من كدة." ختم كلماته، وعلى حين غرة اختطف السلة منها، فلامست أصابعه الدافئة كفها لتبعث بها قشعريرة سرت كتيار كهربائي، أثارت بها اضطراباً عطلها عن مقاومته، حتى تفاجأت به يبتعد عنها بخطواته السريعة يجبرها على اتباعه إلى المكان الذي يضع به سيارته، والتي فتح حقيبتها الخلفية يضع بها السلة، فتوقفت ناظرة بذهول، حتى هدر بخفوت يحثها: ـ "هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ اخلصي يا اعتماد عشان أوصلك." دقت قدمها على الأرض تقترب منه بتذمر: ـ "توصّلني كيف يعني؟ مش ملاحظ إنك زوّدتها قوي، يا أستاذ خليفة!" ظهرت أسنانه البيضاء أمامها حين تبسم بملء فمه، يردد معارضاً لها: ـ "تاني برضه أستاذ! يا أبلة اعتماد قلنا ما ينفعش، لازم تاخدي عليا وتُناديني باسمي عشان يبقى الوضع طبيعي ما بينا. أنتِ تقولي يا خليفة وأنا أقولك يا اعتماد، فيها عيبة دي؟" رمشت بعدم استيعاب، وكأنها امرأة أخرى، ليست تلك شخصيتها، كيف يجبرها بلطفه المبالغ فيه على اتباعه في شيء غير مقتنعة به، ويتجدد رفضها له حتى الآن؟ ـ "مش موضوع عيبة، بس الحكاية أنت عارف اللي فيها، أنا حاسة إن الأمر أكبر من طاقتي، إني أخدع الناس بشيء ما حصلش. دي مش قادرة أتقبلها. من رأيي نشوف أي طريقة ونحل المشكلة دي، يا ريت." هذه المرة كانت الابتسامة تحمل دفئاً غير عادي، فهو يعلم جيداً بحجم معاناتها وما تعيشه من صراع داخلها. امرأة نقية ولا يجد مثيلاتها إلا قليلاً هذه الأيام. ـ "حاضر... هنحل المشكلة قريب قوي إن شاء الله. ممكن بقى تدخلي عشان أوصلك، وبعدها نفكر هنعمل إيه يا اعتماد من غير أبلة." ابتسامة بزغت على طرف فمها رغم ادعائها التحفظ، لتنصاع في الأخير وتنضم إلى جواره في السيارة مغادراً بها. ما دام فرض عليها أمر تمثيل خطبته لها، إذن فلتعِش اللحظة وتلك المشاعر التي تموج داخلها نحوه، فهي لم تختار . ............................ في طريقها نحو مسكنها في نصب الخيام أعلى المصرف، تمر وسط الحد الفاصل بين أفدنة الزراعات والجسر الرئيسي للبلدة، ذلك الشريط الطولي المصطف بأشجار النخيل وبعض الأشجار الأخرى، ثمارها ملك البلدة بأكملها، وإن كانت هي ليست من أفراد البلدة، إنما تأخذ حقها منها أيضاً. وقد كانت في مزاج رائق بعد مشاجرتها والفوز على المرأة الحمقاء وزوجها الأحمق منها، بعد أن فتنت بينهما وكأنها ضربت عصفورين بحجر واحد. تألمها عظام جسدها قليلاً بعد ضرب تلك المتوحشة لها، ولكن لا ضير، هي اعتادت على ذلك، وقد تأكد لها شيء ما برأسها كان يشغلها منذ الأمس. وحان الآن موعد نيل مكافأتها الآن، بملء جيوبها وكيسها البلاستيكي، بالعديد من الأنواع التي تعجبها وتنتقيها، حتى لو اضطرت لرشق النخلة التي يقع عليها الاختيار بالحجارة، غافلة عمن أتى من خلفها بشرر نيرانه، يباغتها على حين غرة مستغلاً اختلاء الأجواء من البشر حولهما في وقت الظهيرة، ليدفعها بعنف ويحجزها بين النخلة وبينه: ـ وكمان عايشة الدور يا روح أمك... وبتاكلي من خيرنا بعد ما تسرقينا. في البداية أجفلت نورا فزعاً جراء فعلته، لكن سرعان ما استكانت حين رأته أمامها، رغم غضبه العاصف، وأصابع يديه التي قبضت جيدها ككلابتين حديديتين تثبتانها، لتقابل ثورته ببرود متجاهلة ألمها: ـ خلي بالك، يدك دي في المكان الغلط، أنت اللي هتضر نفسك لو ما شلتهاش حالاً. حضرتك مش حمل مكر بنات الغجر يا سي عطوة. قالت الأخيرة بنبرة مستخفة ضاعفت من غضبه ليرفع كفه ضاغطاً على عنقها بعنف أكبر: ـ أنا مش عايز أتعامل معاكي أصلاً، ولا عايز أبص في خلقتك حتى، اديني حاجتي يا بت اللي سرقتيها من المحفظة يا حرامية يا بت ال...... وختم بسبة نابية جعلتها تصدر من فمها صوت طقطقة ساخرة ثم تقول: ـ ما بلاش شتيمة بالأمهات عشان ما عندش معاك وأخليك تطول السما ولا أرجعلك حاجتك، تبقى مؤدب هبقى مؤدبة، تعند معايا أنت الخسران. لم يرد على الفور فاستغلت تشتته، لتباغته رافعة ركبتها، بضربة دقيقة بين ساقيه اضطرته لتركها على الفور يمسك على موضع الألم، مغمغماً بالمزيد من الألفاظ النابية والفاحشة أيضاً ويردف: ـ الله يخرب بيت أبوكي يا بت ال...... وقحة وقليلة حياء من كله تبسمت بمكر تتحرك من جانبه بثقة: ـ قلت لك خليك مؤدب هبقى مؤدبة معاك، إنما قلة الأدب أنا أستاذة فيها يا غالي، استرجل كدة شوية واتحمل، منظرك هيبقى زبالة لو حد عدى وشافك. زمجر بغضب شديد ليستقيم متحاملاً على وجعه، يقابلها في وقفتها صارخاً: ـ اديني حاجتي يا نورا، بدل ما أبلغ عنكم عمدة البلد يطردكم من عندنا ومن البلاد اللي حوالينا، أنت ما جربتيش جناني لسة. أعجبتها نبرة التحدي التي يتحدث بها، فتبسمت ترسم البراءة، وهي ترفع يدها إلى فتحة الجلباب في الأعلى عند الصدر لتلفت أبصاره إلى تلك المنطقة وهي تخرج مجموعة من الأوراق المالية، وعدد من بطاقات الصرف والمفتاح الذي سرقته بالأمس تقدمه إليه بسهولة جعلته يتناولها بعدم تصديق، فتقول: ـ اهي يا سيدي حاجتك كلها، عشان تعرف إني مش حرامية، أنا أخذتهم بس نكاية فيك عشان تبطل تعايرني بأصلي ولا تقولي كلام قبيح، نحن كلنا ولاد تسعة على فكرة. رمقها رافعاً حاجبه بتوجس، يبتلع ريقه بعد أن شتته للمرة الثانية، ثم وضع تركيزه في إحصاء الأشياء التي استردها منها، ليتدارك متذكراً اختفاء أهمهم، فرفع رأسه إليها قائلاً: ـ الحاجات دي ناقصة، أنت جبتي الفلوس والبطاقات (الفيزا) اللي لطشتيها بس فاضل الأهم، أنا عايز الصورة اللي كانت فيها، هاتي الصورة يا بت. ـ صورة إيه؟ صورك الشخصية أنا ما قربتش منها، سبتها في المحفظة. سألته ببراءة لا تليق بها، لتستفزه يهدر بخشونة: ـ بطلي لؤم يا نورا، الصورة الشخصية موجودة في المحفظة، أنا قصدي على الصورة اللي كانت في جانب لوحدها، اشمعنى هي اللي لطشتيها من الصور. تظاهرت بدهشة مفتعلة تدعي التذكر: ـ اااه... أنت قصدك على صورة البنت الحلوة اللي لابسة فستان فرح أبيض بموضة قديمة، وبجانبها واحد ضخم محاوطها بذراعيه. أومأ برأسه بلهفة وانفعال: ـ أيوه هي الصورة، هاتيها بقى. تخصرت بعبث تطالبه: ـ طب مش لما تقولي مين هي الحلوة دي؟ ولا عريسها ده إيه اللي يخليك تغتاظ منه لدرجة تمسح رأسه كلها بالحبر، مش بس وشه. ـ أنتي مالك! صرخ بها فاقداً الذرة الباقية من تماسكه، ليأمرها بحزم: ـ طلعي الصورة يا بت ومترطيش معايا كتير، اخلصي. لم تأبه ولم تهتز حتى، بل قابلت ثورته ببرود متناهي تتحداه: ـ وإن عاندت وما عطيتكش الصورة هتعمل إيه؟ هتبلغ العمدة زي ما هددت من شوية؟ ولا تبلغ عرفان صاحب الصورة اللي ماسح وشه بالحبر؟ وغمزت بطرف عينيها في الأخيرة تربكه وتزيد من اضطرابه فينكر: ـ وإيه دخل عرفان بالصورة أصلاً؟ أنت مخك ضارب يا بت أنت ولا عقلك مفوت؟ هزت كتفها بإغراء لا يناسب اللحظة، حتى تغطي على حنقها وغضبها الشديد منه، فتقول: ـ لا مخي ضارب ولا عقلي مفوت، أنا بس ذكية وبفهمها وهي طايرة. صورة عرفان عرفتها من كف يده الكبيرة المحطوطة على دراع العروسة الحلوة، أصل مميزها الوشم والخاتم الفضي، معنجر من يومه المضروب، أما بقى عن البنية فدي اللي شغلت عقلي صح، لدرجة خلتني أروح لحد بيته مخصوص وأشوف المرة اللي متجوزها، بس يا خسارة، البومة اللي اتعاركت معاها من شوية، ما تجيش في نص حلاوة العروسة اللي في الصورة. يبقى كدة بالفهلوة تبقى مرته الأولى اللي حكى عنها قبل سابق. يا ترى يا بن الأصول، إيه اللي يخليك تشيل صورة مرة صاحبك وتحتفظ بيها في جانب مخصوص من محفظتك حتى بعد طلاقها منه إلا إذا كان...... ـ اخرسي يا بت، دي أشرف منك ومن عيلتك كلها... قاطعها بحدة أزعجتها، حتى استفزها لتصيح به: ـ ولما هي أشرف من عيلتي كلها، حاطط صورتها في المحفظة وجنب قلبك ليه؟ في الأخيرة كان عطوة قد فقد السيطرة على غضبه، ليقبض على عنقها مرة أخرى، ويفاجئها سريعاً بمطواة أخرجها من جيب جلبابه، يرفعها أمام عينيها بتهديد مباشر: ـ هتديني الصورة ولا أغز المطواة في بطنك وأخلص عليكي؟ أنا مجرب السجن قبل سابق، يعني مش هتفرق معايا. شعرت نورا في تلك اللحظة بالخطر من جانبه، لتقرر سريعاً مهادنته بلطف واستعطاف: ـ والله ما معايا الصورة، امبارح المسا كنت بتفرج عليها قبل ما أنام وحطيتها تحت مخدتي، اديني فرصة أروح وأجيبها. ـ ولو طلعتي بتماطلي؟ سألها بوعيد لترد عليه بمسكنة: ـ وأنا إيه اللي هيخليني أماطل بس؟ دي مجرد صورة قديمة مش هستفيد منها أصلاً. ـ وإيه اللي يخليني أصدق أنا كلامك، ما يمكن متشالة مع اللي طلعوا؟ قالها بفراسة وعيناه نزلت إلى أسفل جيدها وتلك المنطقة التي أخرجت منها النقود وباقي الأشياء، فتلوت هي بين يديه بإغواء وتمنع: ـ يا لهوي يا سي عطوة أنت بتبص فين؟ ولا بتفكر تفتش بنفسك كمان ولا إيه؟، لا أنا شريفة وعمري ما أعمل العيب... ـ يلعن...... مرة أخرى يسب ويلعن، ليحل قبضته ويبتعد عنها، تلك الحرباء التي تجره لارتكاب جريمة، ومن خلالها تستطيع التأثير به. فبصق على الأرض متصنعاً الازدراء، ثم رفع رأسه إليها بأمر وصرامة: ـ تروحي دلوقت وتجيبي لي الصورة حالاً.... تبسمت برضا، وقد رأت على ملامحه المشتدة ما أسعدها، رغم نكرانه وتمنعه، ليعيد إليها ثقتها في إمكانياتها، ثم ردت بنعومة: ـ من عنيا يا سي عطوة، بس استأذنك خليها بكرة في نفس المكان هنا، حكم المشوار طويل، وعلى ما أرجع وأروح تاني هيكون الليل حط على الأرض.... ممكن يا سي عطوة؟ لوح بكفه بقرف دون أن يلتف إليها: ـ غوري وما تنسيش تجيبيها بكرة. زاد اتساع ابتسامتها وهي تغادر بطاقة عالية من المرح، أما عنه، فقد ازداد غضبا من نفسه، ليضرب إحدى الأحجار بقدمه، ثم التف يتابع ذهابها، ليغمغم في أثرها: ـ طلعتي لي من أنهي مصيبة يا مصيبة. ....يتبع فصل طويل يارب ينال رضاكم الفصل الثالث والأربعون "الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك" الكروان الجميل ما زال يغرد في الخلاء، مستغلاً هدوء الأجواء من حوله، وهي تردد من خلفه، مستمتعة بنسمات الفجر العليلة في ذلك الوقت. اختلفت الأماكن ما بين منزل والديها القديم وجلستها الآن في شرفة الغرفة التي تجمعهما مع زوجها، ولكن يظل الشعور واحدًا. فها هي تعود لتلك الحالة التي اعتادت عليها منذ سنوات؛ في كل مرة يأتي فيها اختبار ابنتها في الدراسة، يجتاحها القلق وكأن الأمر يخصها هي. حتى وإن تغيرت المعادلة وأصبح لها مستقبلها الذي يشغل تفكيرها، يظل الحلم الأهم هو التحاق ليلى بالجامعة. "يا رب اقف معها ووفقها يا رب." دعاؤها الخافت وصل إلى ذلك الذي وقف منذ لحظات يراقبها، وقد استيقظ حين شعر ببرودة الفراش ومكانها الخالي جواره. لا يمل من تأملها؛ فرؤيتها فقط تبعث السكينة في روحه. وقد كانت غافلة في غمرة تضرعها إلى الخالق حتى يقف مع ابنتها في الاختبارات النهائية، والفاصلة في تحديد مستقبلها. هل عليه أن يغار أيضًا من ليلى وقد أصبحت تستحوذ على الحيز الأكبر من تفكيرها؟ "انت هنا من إمتى يا حمزة؟" أتى السؤال منها حين انتبهت لوجوده، فأهداها ابتسامة عذبة قائلاً، وقد اتجهت أقدامه نحوها: "يعني عايزة تصحي وتقومي من جاري وأنا محسش؟" في الأخيرة، كان قد اقترب منها ليدنو إليها ويحاوط وجهها بين كفيه ثم يَثْلُمُ جبهتها بشفتيه؛ قبلة طويلة حانية قبل أن يجلس على ذراع التخت بجوارها، يضمها إليه مردفًا: ".ـ قلبي اللي حاسس بيكي، هو نفسه اللي صحاني. تقبلت لفتته بترحاب، تحتضن كف يده بامتنان شديد قائلة: "يِسْلَم لي قلبك يا ضي عيني، وسامحني إن كنت قلقت راحتك، لكن والله غصب عني، قلقانة جدًا يا حمزة." رد وقد استند بذقنه على رأسها: "ـ عارف، وعارف سبب القلق، انتي أصلا لا على حامي ولا على بارد من امبارح مسا، بس انا بقولك اها، ليلى مش بس هتنجح، لا دي هتفاجأك كمان بتفوقها في كلية تفتخري بيها" رفعت رأسها إليه برجاء تفضي إليه بهواجسها ومخاوفها: "ـ يا ريت يا حمزة، نفسي والله ، بس خايفة لا يكون الحمل أثر على تركيزها, خايفة إن هي نفسها تتعب في اللجنة، بت جارتي ألقديمة أم حسنين، كانت شاطرة قوي وكل سنة تطلع من الأوائل، لحد ما جات في سنتها الأخيرة صدمت أهلها وصدمتنا كلنا بمجموع يكسف، رغم انها كانت طول الوقت قافلة على نفسها الأوضة تذاكر ، و مكانتش بتساعد امها ولا تشيل قشاية حتى في البيت، يا خوفي يحصل مع ليلى اللي حصل معاها" ضحك حمزة بخفة يشدد من ضمها إليه قائلاً: " والله انتي مخك ضارب، طب يعني اللي كانت بتقفل على نفسها الأوضة دي انتي ضمنتي انها كانت بتذاكر طوال الوقت اللي حابسة نفسها فيه؟ وبرضو حتى لو مشيت معاكي انها كانت بتذاكر فعلا، دا مش مقياس على فكرة، يعني انا مثلا كنت من ضمن العيال اللي تلم المنهج كله في إسبوع الامتحان أو قبله بحاجة بسيطة وغيري اقل، المهم هو التركيز والتوفيق من عند ربنا . ـ يارب يارب" تمتمت وهي تضمه إليها بقوة، ألصقت رأسها على صدره، لتجد فيه ملاذًا من التفكير، وتستمد منه الراحة والاطمئنان. ولم يُقصّر هو في الضغط بأنامله على جسدها ليضمها إليه، بتقديم الدعم والمؤازرة التي هي في أشد الحاجة إليها الآن، كي تكسب في معركتها الأخيرة، بعد سنوات من التضحية والإيثار." ......................... أما عن ليلى، التي ارتدت ملابسها وكانت تتجهز الآن، تضع اللمسات الأخيرة في لف حجابها أمام المرآة قبل الخروج والذهاب إلى تأدية الاختبار. تخاطب زوجها الذي دلف عائداً من الشرفة يغلق الهاتف بعد انتهائه من مكالمة هاتفية: ـ اقعد تتكلم في التليفون وتأخرني على الامتحان يا معاذ. تبسَّم لها وهو يتناول متعلقاته من درج الكومود قائلاً: ـ ما كلُّه برضه عشانك يا ست ليلى، حمزة بيتصل يوصيني، وأمك ماسكة راسي من امبارح أسئلة عنك. المشكلة أنَّه كلُّه صداع على دماغي، وأنتِ نفسك صاحبة الأمر، خايفين لَيَزْعُجوكي أو تتوَّتري. يا غُلبك يا معاذ. قهقهت ضاحكة رداً على طريقته، ليواصل هو بفكاهة وهو يتأملها: ـ ما يعرفوش إن البرنسيسة بقالها ساعة بتتعدَّل قدام المرايا، وكأنها رايحة فرح صاحبتها. تخصَّرَت بزهو أمامها تُعقِّب على قوله: ـ ليه يا حبيبي، عايزاني أروح مبهدلة ولا أقل من البنات؟ يعني مش كفاية البلونة الصغيرة والباشا اللي يبين نفسه من تحت الفستان. كان في الأخيرة قد اقترب منها ليحاوطها من الخلف بذراعيه التي امتدت على البروز البسيط لبطنها، يَربُت عليها، يُحدِّث انعكاسها في المرآة أمامه، مُقبِّلاً وجنتها المنتفخة، يبث داخلها الاطمئنان بطريقة فكاهية: ـ وماله لما يظهر ويبيِّن نفسه؟ ده حبيب أبوه اللي هيحضر مع أمه امتحانها، عشان لو نسيت الإجابة، يديها رفسة يفوِّقها تفتكر على طول. ضحكت للمرة الثانية، حتى إذا توقف، علقت بجدية وحب له: ـ أهي خفة دمك دي هي اللي مخلياني بنسى إن في امتحان أصلاً. بس حبيب أبوه ده هو نفسه حبيب أمه، كفاية إنه سبب في زيادة ارتباطي بيك أكثر وأكثر يا معاذ، أتدلَّع على حسَّه عشان عارفة إنك مش هترفض لي طلب، وحتى لما أغلط أنت اللي تفوِّت وتعدِّي لي بسببه، مش بقولك حبيب أمه! تنهَّد يخطف قبلة أخرى من وجنتها مرة أخرى، يود إطالة الحديث بينهما، لكن الوقت لا يسمح، ليضطر بفك ذراعيه عنها بيأس قائلاً: ـ والله كلامك حلو يا أم الغايب، بس شكلك نسيتي الامتحان صح، وباين الوقت هيفوتنا. سمعت منه لتلقي بنظرها على الساعة تُزيِّن رسغها، لِتَنتفِض مُهرولة نحو حقيبتها: ـ يا لهوي ده أنا كده هيضيع عليَّ أول مادة فعلاً لو ما لحقتش. بسرعة يا معاذ عشان توصِّلني بالعربية. جاء رده وهو يسبقها دون أن يفوت فرصته في التنمر عليها: ـ على ما تخلّصي النزول بخطوات البطريق، أكون أنا سخَّنت العربية... ............................... داخل منزل اعتماد وشقيقتها. كانت اعتماد في هذا الوقت تلاعب الصغيرة ابنة روضة، التي كانت غائبة في غرفتها منذ ما يقارب الساعة، تاركة لها الصغيرة التي تُدخل البهجة إلى قلبها بضحكاتها ولعبها. حتى تذكرت اعتماد موعد خروجها، لتنهض بالطفلة هذه المرة متجهة إلى غرفة والدتها لتُعطيها إياها. ولكن ما إن اقتربت من الباب، وقبل أن ترفع يدها وتطرق عليه لتستأذن في الدخول، حتى توقفت فجأة مع سماع النهنهات التي صارت تصل إليها بوضوح، ثم حديث الذل والرجاء: ـ يا محمود، أنا إيه ذنبي بس؟ والله، والله كل يوم بفتح السيرة قدامها عشان تحس على دمها، لكن مفيش فايدة! كل مرة تسمعني الكلام الماسخ. قوله إن دا جلسة رجال ولازم تتنفذ... أيوه، والله عارفة معاكش المبلغ الكبير بتاع التعويض، بس... بس يعني لو أبوك يساعدك، ولا عيال عمامك اللي حضروا الجلسة، ولا واحد فيهم ربنا يقدّره ولو بمبلغ صغير؟... خرست يا محمود وسيبت** سكوتي لربنا. بس... بس أنت لو تقدم أي حاجة... طب أبويا الحاج رافض يديك مليم، أمك يا محمود لو طلعت غويشة واحدة من إيدها، هتجيب على خمسين ألف جنيه و... محمود، متتهمنيش إني حن عليك! أنا لا ببصلها ولا زفت. أنا بس... يا محمود... يا محمود... منك لله يا اعتماد، منك لله! في تلك اللحظة، كانت اعتماد تفتح عليها الباب، لتجدها تنظر إلى الهاتف الذي اسودّت شاشته مع انتهاء المكالمة من جانبه بوجهها كما يبدو، فصبّت روضة اللوم والانهيار على الحلقة الأضعف لها، وهي شقيقتها. والتي ابتلعت الغُصة المؤلمة وتقدمت بصمت تام، حتى اقتربت لتضع الطفلة في حجرها، ثم التفتت لتغادر كاتمة على جرحها بالملح. ولكن هذا لم يُرضِ روضة، التي تحدثت من خلفها في تبرير أحمق بعد أن علمت بسماعها المكالمة: ـ على فكرة بقى، أنا دعيت من قهرتي، يعني لازم تعذريني، وتقَّدري الضيقة اللي أنا فيها. أغمضت اعتماد عينيها بتعب شديد ومرارة جثمت في حلقها، حتى تحاملت على ألمها لتلتف إليها وتتحدث بصعوبة: ـ ومين يقدر الضيقة اللي أنا فيها في عيشتي مع واحدة زيك زي الأتب اللي في الضهر، ولكنه بتقل الحجر ومع ذلك مقدرش أشيله؟ انتفضت كعادتها لا تتحمل الإهانة والوصف المُحق فيها، لتعارضها بلوم: ـ أنا برضه اللي زي الأتب؟ ولا أنتِ اللي شوفتي نفسك بعد ما فوزتي بالحليوة ابن البهوات، ومعدتيش حاسة بأختك ولا بوجعها؟ طب أديكِ سمعتي بنفسك، أبوه رافض يساعده وولاد عمه، حتى أمه رافضة تطلع غويشة واحدة من إيدها تسد حتى ولو ربع المبلغ. يعني محدش حاسس ولا همه! ردت اعتماد بعد انتهائها من عبارات المظلومية التي تتجدد منها يوميًا، تخاطبها بمنطق العقل الذي لا تعرفه من الأساس: ـ "محدش فيهم راضي يساعده حتى أمه"، دا ميخليكيش تنتبهي إنه لو راجل أمين، كان هيلاقي الكل يسارع في مساعدته، مش يجيله الرفض حتى من أقرب ما ليه؟ أنتِ بس اللي مسلماله أمرك، زي ما سلمتيه دهبك وضيعه، زي ما كان هيضيعك برضه ويمضيكي على قرض. أنتوا تستاهلوا بعض على فكرة. بس أنا ذنبي إيه عشان تحسبيني عليا؟ قولتلك روحيله وخلصيني من همك، لكن أنتِ مصرة تبقى الروحة رسمي بالتنازل مني عن التعويض اللي اتقرر في جلسة الرجال، وعشان لما يغدر ويرميكي، تلاقيني برضك في ضهرك ، بس دا مش هيحصل يا روضة. بلّغي الصايع بتاعك إني مش هتنازل عن حقي وإن وصلت إني أحبسه هعملها. أما أنتِ بقى، غوري في داهية وادعي عليا براحتك. ختمت كلماتها وتحركت مغادرة، تتجاهل صياح تلك الجاحدة من خلفها، تدّعي قوة زائفة وعدم اكتراث، ولكنها من الداخل، تتهادى كجبل صُنع من الرمال، ليسقط حتى يختفي ويتلاشى تمامًا. ............... ها هي تطل من أعلى الدرج، تراه جالسًا في وسط الردهة الأمامية لمنزل والديها، يداعب الصغيرتين، يدغدغهما بأنفه حتى تصدح ضحكاتهما الطفولية فتصل إليها وإلى خارج المنزل. عدة مرات أتى لرؤيتهما في غرفة الاستقبال الخارجية دون أن تعلم هي في معظم الأحيان سوى بعد انصرافه. أما اليوم فقد جاء طالبًا رؤيتها. هل تراه تراجع عن الخطبة المزعومة لتلك المدعوة اعتماد؟ أم أتى في أمر آخر؟ ستعرف الآن. ـ مساء الخير يا خليفة. قومي من على حجر أبوكِ يا بت. وجهت الأخيرة إلى الصغيرة التي كانت تصدر منها القهقهات العالية أثناء دغدغة ابيها لها بأنفه، لتجبره على الانتباه إليها، ونجحت بالفعل. غتوقف هو يزفر داخله، ليقبّل ابنته وشقيقتها، ويصرفهما بلطف، ثم يتفرغ لها. وقد اتخذت جلستها في الكرسي المقابل له مباشرة، فبادرته بسؤالها: ـ نعم يا خليفة. بلغني أنك جاي مخصوص تقابلني. يا رب تكون جاي في خير! قالت الأخيرة بمغزى مقصود، لتزيد من ثقل المهمة التي أتى من أجلها. ضاق صدره من البداية، ولكنه مُصرّ على إنهاء النقاش بقراره الحاسم الفاصل: ـ نعم الله عليكِ يا ستي، بس أنا كنت جاي نخلّص الأمور المعلقة ما بيننا. سألته بتوجّس، تقصفه بكلماتها: ـ أمور إيه بالظبط؟ وضّح يا وَلَد عمي. يكونش هتردّني المرة دي؟ تصلبت ملامحه فأجابها دون تردد: ـ دا على أساس إن أنا اللي كنت طلعتك من البيت غضبانة مثلًا؟ على العموم أنا جاي أوفّر عليّ وعليكِ التعب والشد والجذب. شوفي عايزة إيه يا هالة وأنا أنفذه لك. أنتِ بنت عمي قبل ما تكوني أم ولادي اللي عمري ما هفرّط فيهم، والود ما بين عيلتي وعيلتك لا يمكن يعكّره مشاكل ولا انفصال. اشتدت ملامحها عند الأخيرة وكأنها تلقت صفعة، بعدما فاجأها بطلبه الصريح، بطلب الانفصال منها! ـ يعني أنت جاي وتقول لي: اطلبي وأمري لأجل أطلّقك وأجيب الشحاتة الواطية مكانك؟ ـ احترمي نفسك يا هالة وماتغلطيش فيها. ـ وكمان مش هتحمل عليها كلمة؟ لا، دي شكلها عاملالك عمل سفلي مُحكم! إلى هنا ولم يتحمل، ليضرب بكف يده ذراع الكرسي بحدة: ـ سفلي ولا علوي، اخلصي قولي طلباتك عشان لَتّ وعجن أنا مش عايز. توقف فمها عن الكلام تتطلع إلى زوجها الماثل أمامها، البحر الهادئ الساكن وقد ثارت أمواجه الغادرة ليلفظها إلى خارج محيطه بقوة، دون ندم أو تردد. لكن لا والله لن يحدث. هدأت قليلًا من ضجيج الحرب الدائرة داخلها، ونيران البغض التي تود حرق الجميع دون استثناء، لتتريث قليلًا وتمتص حماسه والتحفز لأن يرمي يمين الطلاق عليها بسهولة. فقالت بعد فترة من التفكير: ـ وإن قلت لك إني مش عايزة أطّلق، وقابلة بالضرة؟ ـ نعم؟! ـ نعم الله عليك يا وَلَد عمي. أنا عارفة إن أنت سويت الدنيا مع أبويا اللي بيحبك زي ولده، يعني في كل الحالات موافقك على كل قرار. يبقى أنا اللي هطلع العَفشة وأرفض! تعقد حاجباه بريبة في البداية وكأنه يتحقق مما وصل لأُذنيه. لكن ما أن استعاد ذاكرته حتى ذكّرها: ـ بس دا ما كانش كلامك يا هالة، ولا أنا أصلًا هأصدق إنك تقبليها عشان فاهمك أكثر من نفسك. يا بنت عمي، زي ما دخلنا بما يرضي الله، نطلع بما يرضي الله والود موصول ما بيننا... ـ وأنا بقول لك لأ يا خليفة ومش قابلة بانفصال... لكن هأغصب على نفسي وأقبل الضرة عشان ما أخربش بيتي... وهل يظنها يصدقها؟ ومنذ متى كان يهمها عمار البيت من الأساس؟ عاد خليفة بظهره إلى الخلف يحدق بها بتمعّن، ربما يصل لقراءة واعية إلى ما يدور برأسها. وقد كانت ترسم وداعة لا تليق بها، لتزيد من بث الشكوك داخله، فيقرر مصارحتها وليحدث ما يحدث: ـ وإن قلت لك أن أنا اللي مش هاقدر يا هالة، خصوصًا بعد كلامنا الأخير اللي فضلت ساجنه في صدري من فترة طويلة، عشان عارف إن يوم ما هأطلّعه هيبقى خَلَصِت... ـ لا، ما خَلَصِتش يا خليفة، وأوهامك دي تشيلها من مخك، عشان أنا عارفة نفسي زين، وبرضه مش قابلة طلاق. حقًا تثير انبهاره في إنكارها، وتشبّثها الغريب الآن، رغم قسوة ما أخبرها به، والذي ارتد أثره على لغة جسدها، وهي تواصل بعصبية وإصرار يقارب الجنون: ـ عايز تطلّق غيابي؟ اعملها وجِب لنفسك العيبة. أما لو هتجيب المأذون، يبقى أنا بنفسي هأطلَع للشيخ وأبلّغه قدام الجميع رفضي، وتجيب لنفسك برضه العيبة. أنا واحدة باكية على عمار بيتي يا خليفة. أنت بقى عايز تخلص من مرأتك وعيالك عشان مرأتك الجديدة؟ اللعنة على ذلك الإصرار الغريب. انتفض عن مقعده فجأة يُنهي ذلك الجدال العقيم، قاطعًا بعبارته الأخيرة: ـ تمام، أنتِ حرة يا هالة، بس أنا برضه صاحي لك، وفاهم قوي اللي بيدور في دماغك... أنهى حديثه العاصف وخرج بخطواته السريعة، قبل أن يختنق بطاقة الشر التي انتشرت في الأجواء. أما عنها وقد كانت تغلي كَبُركان على وشك الانفجار، فقد انتظرت حتى اختفى تمامًا من المنزل، لتردد بتوعد: ـ أنا فعلًا حرة يا خليفة، وبكرة تشوف هالة بنت عمك هتوجب إزاي معاك يا عريس ........................... ارتدى ملابسه بملامح مكفهرة، وخرج من غرفته وهو في طريقه بالذهاب إلى عمله، فوقعت عيناه على تلك التي احتلت مقعدها بانتظاره في وسط الصالة. زفر يتطلع إليها بقرف، قبل أن يتخذ طريقه للمغادرة، فـ أبت هي إلا أن توقفه، تجذبه من ذراعه الضخم: ـ "طب قول حتى صباح الخير، دا السلام لربنا." نفض ذراعه عنها يُبعدها عنه بازدراء: ـ "السلام لـ أهل السلام، لكن انتِ لا طايقك ولا أطيق أبص في وشك." صاحت به بدورها: ـ "يا أخي الرحمة، الرحمة عشان ربنا يرحمك، كل ده عشان الملعونة الغجرية! وهي اللي رمت بلاها وجات برجليها لحد بيتي، كنت عايزني أخدها بالحضن وهي جاية تشاركني في بيتي وفي جوزي؟" ـ "وبعد ما ضربتيها وعملتِ لي فضيحة في وسط الخلق، استريحتي ولا فشيتي غيظك؟ كل يوم بكرهك أكتر من اللي قبله." صرخت باكية وقد فاض بها من قسوته: ـ "وآخرك دا هيوصل معايا لحد فين؟ موتني أحسن واستريح يا عرفان، بدل المُر اللي بتزقّهولي في حلقي مع كل كلامك السَّم اللي بترميه في وشي. أنا لما شوفتها نار قادت في جسمي يا عرفان، مادرتش بنفسي غير وأنا بَهْجُم عليها، كان نفسي أغرَز ضوافري في وشها اللي فرحانة بيه، أأذيها وأعورها، المهم تحس بالوجع اللي أنا حاسّة بيه. الضرة مُرَّة يا عرفان، مُرَّة قوي." ضاقت عيناه نحوها ليدنو مُقربًا وجهه منها، يرد على خطبتها العصبية: "ولما هي نارها كاوية كده، ما حسِّتيش بيها ليه من الأول؟ لما عملتِ السِّحر وخلَّتيني أهجر فَرشة مراتي وهي لسه ما كملتش العشرين، كنتِ تتغندَري قدامها وتتزوَّقي وهي زي البيت المهجور، تكيدي فيها كل يوم وهي المسكينة ملهية في تعبها وتربية بنتها، حتى النَّفَس كنتِ بتِعدِّيه عليها، وأنا بغباوتي كنت بساعدك..." توقف يستدرك حجم الجرم الذي كان يرتكبه معها في حق المظلومة وابنتها، بتلك الذكريات التي تتوارد في ذهنه، ليدفعها بعنف من أمامه: ـ " غُوري من وشي!" وقعت منهارة على الأرض نتيجة دفعته، تذرف دموع القهر والندم. ........................... داخل الفصل الخالي من التلاميذ، نظراً لقضاءهم الإجازة، جلست في آخر مقاعده كي تختلي بنفسها بعيداً عن الجميع؛ هي وأحزانها ولا أحد آخر. بعد حديثها العاصف مع روضة وحسمها في اتخاذ القرار، ربما كانت قاسية تلك المرة، ولكنها لم تترك لها خياراً. منذ صغرها لم تكن أبداً ضعيفة الشكيمة، ولكنها تحولت منذ زواجها بهذا الفاسد. سيطر على تفكيرها، ومحا إرادتها في مقاومته... ولكن أن تصل لدرجة الدعاء عليها، هذا ما لم تتوقعه على الإطلاق. هل كانت ظالمة لها لتنال منها ذلك الجحود والنكران؟ ألهذه الدرجة هانت عليها؟ كانت العبرات تسقط من عينيها دون أن تشعر في غمرة شرودها، حتى انتفضت على صوت طَرْق قوي على الباب، لتُفاجَأ به. - خليفة! استدركت سريعا لحالتها فور انتباهها لحضوره، فدنت تحني رأسها إلى الأسفل كي تمسح على عجالة بأناملها آثار الدموع التي ما زالت عالقة على خديها. ثم رفعت وجهها إليه وقد اقترب من محل جلوسها، تلملم شتاتها في مقابلته، وتبادره بسؤالها: - إيه؟ في حاجة يا أستاذ خليفة؟ تبسم كعادته كلما تحدثه برسمية، ليجيبها بعد ذلك: - لا والله يا أبلة اعتماد، أنا بس كنت جاي النهاردة أسأل على تقديم البنت الصغيرة، للسنة اللي جاية إن شاء الله، وبالمرة أشوفك، بما أنك خطيبتي قدام الناس يعني وكده... قَطَعَ في الأخيرة ناظراً إليها بتساؤل حين انتبه على الذبول الذي كسا ملامحها ليردف: - أنتِ في حاجة النهاردة مزعلاكي يا اعتماد؟ نفت سريعا بتحريك رأسها لتعارضه بارتباك: - حاجة إيه كمان اللي هتزعلني؟ آآه، بخصوص تقديم البت الصغيرة، لو كنت سالتني من الاول على إجراءات التقديم كنت هدلَّك واسهل عليك الدنيا... لم يرد، بل اكتفى بالصمت هذه اللحظات، وحدق بها مطولًا حتى امتدت يده نحو وجنتها التي تحمل آثار الدموع، مشيرًا إليها، وكاد أن يلمسها: - "أمال اللي على خدك ده إيه؟" شهقت وارتدت رأسها للخلف تُنبهه بغضب: - "أنت اتجننت يا خليفة ولا افتكرت إنك خطيبي صحيح؟" - "لا مفتكرتش يا اعتماد، عشان أنا فعلًا حاليًا صفتي خطيبك قدام الناس، يعني إشهار. وأجيبلك النا هية، أنا واخد الموضوع جد، مش تمثيلية زي ما أنتِ فاكرة وبتخدعي نفسك." صدمها بجديته، لتذهل شاخصة العينين لعدد من اللحظات حتى تمالكت قواها أخيرًا، مُرددة بعدم استيعاب: - "أنا كمان بخدع نفسي؟ أنت واعي بتقول إيه؟ لا اصحَ لعقلك لو سمحت، أنا مش هَيّنة ليك ولا لغيرك عشان تفرض عليَّ أمر اضطرتني الظروف إليه. شكلك نسيت مين هي أبلة اعتماد؟" وعلى عكس انفعاله السابق، تلقى ثورتها بهدوء شديد، مُضاعفًا من صدمتها بقوله: - "لا منستش مين هي اعتماد، ولا أنا الراجل الناقص اللي يستغل الظروف عشان أفرض عليكي الأمر الواقع، بس أنا شاريك في الحلال، أنا عايز أتجوزك يا اعتماد..." رجفة سرت داخلها حين نطقها صريحة دون مواربة، أنه يطلبها بالفعل. فاختلطت المشاعر داخلها: ما بين خوف... وفرح... وترقب.... ثم عقل أيقنت به أن هذا الأمر استحالة أن يحدث. نفضت عنها الذهول، فواجهته مستنكرة: "لا بقى، أنت شكلك عِشت الدور بجد! فوق يا خليفة، وافتكر إنه تمثيل. عشان لو جينا للجد، ما ينفعش، ولا أنا هوافق عليه. سامعني؟" "وإيه اللي يخلّيه ما ينفعش إن شاء الله؟" سألها ببساطة، ليضطرها إلى الإجابة بعصبية: "عشان أنت راجل متجوّز، وليك بيتك وعيالك! ولا دي نسيتها؟" مطَّ بشفتيه دون أن يتأثر بثورتها، قائلًا: "حاجة غريبة. مع إنه نفع في التمثيل، وما حدش اعترض. حتى مراتي نفسها تقبلت الأمر إني أتجوز عليها." "هالة قبلتني عليها ضرة؟" صاحت بها مندهشة، فواصل يضاعف من صدمتها: "وأنا هكدب عليكي ليه؟ على العموم، كده يا أستاذة ثبت لك بالدليل القاطع إن اللي مشينا فيه على إنه تمثيل بيتحول بطريقة غريبة إنه يبقى حقيقة. وده اللي أنا طالبه منك دلوقتي: إنك تحددي ميعاد نيجي أنا وأمي وأخواتي نحدد فيه كتب الكتاب." نهضت تقابله بعقل تشتت من طريقته الغريبة في إقناعها: "كمان كتب كتاب حتة واحدة! طب إيه رأيك بقى إن نفضّها من الخطوبة اللي ما حصلتش دي أصلاً، ويا دار ما دخلك شر. هذه المرة تبسَّم باتساع حتى ظهرت أسنانه البيضاء، ليخالفها بمرح: "آسف يا أبلة اعتماد، أنا متمسك بالخطوبة اللي ما حصلتش إنها تبقى حقيقة. يعني لو اتصرفتِ من نفسك وادّعيتي فسخ الخطوبة، أنا هقول إنه ما حصلش. عن إذنك بقى، أسيبك تفكري مع نفسك في تحديد ميعاد الفرح، يا خطيبتي." وتحرك يغادر، يتركها في حالة من التخبط فاغرة فاهها بعدم تصديق: هل بالفعل تحوّل التمثيل لحقيقة؟ وكيف تتخذ قرارها في ذلك الوضع غير المفهوم؟ ......................... رغم الاتصالات المستمرة منذ الصباح، وتأكيد معاذ عدة مرات بأن الأمور تسير على أحسن وجه، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لها، لدرجة أنها أجبرت زوجها العزيز على مرافقتها للذهاب إلى مقر اللجنة التي تؤدي فيها ليلى امتحانها. وتوقفت السيارة أمام مبنى المدرسة التي وصفها لهما معاذ داخل المحافظة، فالتفت إليها يخاطبها بيأس: ـ المدرسة قدامك أهي يا ست مزيونة، الدنيا هس، ومفيش غير كام واحد من الأهالي اللي زي حالاتك، ملطوعين جنب الحيطان في انتظار انتهاء الامتحان، مش طلعتي مجنونة لوحدك يا مزيونة. ردت من جانبها بابتسامة ومشاعر يغلب عليها القلق: ـ وماله يا حمزة؟ ما الأهالي كمان خايفين على مستقبل عيالهم، ربنا يجبر بخاطرنا جميعاً يا رب. ـ يا رب. تمتم بها حمزة بينما انصرف ذهنه نحو الجهة المقابلة له، بعد أن وقعت عيناه على أحد الأفراد من نقطة الشرطة التي تحرس اللجنة، ليردف: ـ يا ما شاء الله، ده إحنا كمان لينا معارف هنا، وسط اللجنة! اللي هناك ده يبقى الظابط كمال، صاحبي من أيام الدراسة، مش هينفع ما أسلمش عليه. أومأت له بتفهم: ـ روح يا حمزة، أنا كمان مش هتحمل قعدة العربية، هطلع بره أستناها، زمانها قربت تطلع. زجرها بعينيه حانقاً: ـ والانتظار في العربية ولا براها هيفرق إيه يا مزيونة؟ خاطبته برجاء: حِنّ عليَّ يا حمزة، سيبني على راحتي، القلق بياكل قلبي والله. زفر بضجر ليستسلم في الأخير تحت إلحاحها، موافقاً على اقتراحها الأحمق كما يراه: ـ ماشي يا مزيونة، على العموم، هي كلها عشر دقايق، ولا ربع ساعة بالكتير ويخلص وقت الامتحان، اقفي في الضِلّ على ما أخلص أنا مقابلتي مع حضرة الظابط. هللت بموافقته، مرددة بامتنان: ـ يا حبيبي يا حمزة، ربنا يخليك ليَّ يا رب، ويجبر بخاطرك زي ما أنت جابر بخاطري. تلقى دعوتها بترحيب شديد وبنبرة اختلط فيها الشجن نحو الشيء الذي يتمناه بشدة، ومع ذلك لا يستطيع إجبارها على تحقيقه، حتى تأتي الإرادة منها أو من الله. ـ يا رب يا مزيونة، يجبر بخاطري ويحقق اللي باحلم بيه ......................... بعد لحظات قليلة، كانت بالفعل أمام مبنى المدرسة. تمتمت بالأدعية والذكر باستمرار ليعين ابنتها ويعينها ويوفقها. وفي غمرة انشغالها الشديد، تنقل نظرها بين شاشة هاتفها لتتفقد الوقت، وبين باب المدرسة تنتظر بلهفة فتحه وخروج ابنتها كي تبشرها. لم تنتبه للذي قَدِم حتى اقترب منها بمسافة قريبة يتأملها بذهول شديد، حتى إنه لم يعرفها في البداية. لقد بدت أمامه شديدة الجمال بملابسها العصرية الزاهية، وكأنها عادت لسنوات العشرين. "من تلك المرأة التي ينظر إليها الآن؟ هل بالفعل هي مزيونة؟" مبالغته في تأملها ارتدت بأثره عليها، لتنتبه إليه أخيراً، فانتفضت متراجعة خطوتين للخلف تسأله: ـ عرفان! إيه اللي جابك؟ ابتلع ريقه، يتمالك أنفاسه في الرد على سؤالها: ـ نفس السبب اللي جابك، جيت عشان خاطر بنتي وامتحانها. رمقته بشك، ثم صرفت نظرها عنه متجهة نحو باب المدرسة الذي لا ترغب في الالتهاء عنه. فواصل هو حديثه، لا يقوى على أن تفوته الفرصة في التحدث إليها: ـ مكنتش أعرف إن الجواز من واحد غيري بيحلّي كده يا مزيونة، لا وكمان بيرجع السن لورا. تفرقي إيه عن بنت تلاتاشر اللي اتجوزتها غير في حاجات بسيطة، زي العود اللي اتنصب والجسم اللي اتشد، وكأنك بس نضجتي واتخرجتي من الجامعة، مش واحدة بعد شهور قليلة هتبقى جدة! ـ ها... وإيه تاني كمان يا غالي؟ قالها حمزة الذي ظهر فجأة من العدم، بعد أن انتبه بوجود هذا الأحمق أثناء حديثه مع الضابط صديقه. خاطبه بتحفز للقتال، غير عابئ بهلع زوجته التي صارت تضغط على ذراعه حتى يملك غضبه ولا يثير الفضائح. أما الآخر فقد كان يطالعه ببغض لا يخفيه، حتى أجابه بمراوغة كعادته: ـ وه يا نسيبنا، مالك كده متعصب ليه؟ معلش... نسيت نفسي في الحديث، بس اعذرني، دي أول مرة أشوف أم بنتي بعد جوازها منك، واتفاجئت بالتغيّر اللي حوّلها لواحدة تانية تقريباً. زجره حمزة بأعين استعر داخلها الجحيم، يضغط بعنف على قبضة يده التي تناديه للانتقام من ذلك البغيض وتهشيم فكيه، ولكن منعه الحرص الشديد على صورته وسمعة زوجته التي قد تُمسّ أمام الضابط صديقه، والذي جاء ليستكشف الأمر: ـ السلام عليكم، خير يا حمزة في حاجة؟ ولا الراجل ده عامل مشكلة معاك؟ تردد حمزة لثوانٍ قليلة في الإجابة، فتولى عرفان الرد وبطريقته الملتوية كالعادة: ـ حد الله يا بيه، ربنا يكفينا شر المشاكل، ده أنا نسيبهم حتى، والبنت اللي بتمتحن جوه، "ليلى" مرة ولدهم معاذ، تبقى بنتي. ولا إيه يا حمزة باشا؟ طمّن صاحبك الظابط يا راجل، ده افتكرنا بنتعارك وإحنا أصلاً حبايب. عض حمزة على نواجذه، وبصعوبة شديدة أجبر نفسه على مجاراة هذا القميء: ـ فعلاً يا كمال باشا، أبو ليلى نسيبنا ويعتبر من أهلنا. وعلى فكرة دي المدام زوجتي، مزيونة الحرة. تفوّه بالأخيرة بفخر، وبنظرة مقصودة نحو عرفان الذي امتقعت ملامحه. التفت بجسده عن حوار الثلاثة في التعارف، حتى خرجت ليلى لتهرول والدتها نحوها حتى تطمئن منها على سير الامتحان .............................. داخل السيارة التي اجتمع فيها الأربعة: حمزة الذي يقود السيارة وزوجته في المقعد الأمامي بجواره، وليلى استقلت المقعد الخلفي مع زوجها معاذ الذي أتى على موعد خروجها بدقة ليشهد تلك اللحظة التاريخية في اجتماع حمزة ووالد زوجته مع مزيونة. فعلق معاذ مشاكساً، ولكن بحرص خوفاً من غضب شقيقه الذي كان ينفث دخاناً من فتحتي أنفه وأذنيه: ـ حاسس إني لما تأخرت فاتني كتير، شكل وجود الضابط كمال جاء بفايدة كبيرة في حقن الدماء. سمعت مزيونة والتوى ثغرها بتوجس، حتى أدارت وجهها عن ذلك الغاضب، والذي خرج عن صمته ينهره: ـ اتلِم ياض أنت كمان بدل ما ألمك، أنا على آخري أصلاً. رد معاذ ببساطة مُبدياً تفهماً: ـ خلاص يا برنس ولا يهمك، أنا أصلاً مش فاضي وبراجع ورقة الامتحان مع زوجتي العزيزة. وبالفعل، انشغل الأخير بمراجعة ورقة الامتحان مع ليلى، تتابعهما مزيونة بتركيز وتتدخل في بعض الأحيان، حتى فاض الكيل بحمزة ليُصمِت الجميع بصيحته: ـ أنا اللي عايز أعرفه دلوقت، الباشا ده إيه اللي جابه النهاردة؟ على أساس إنه يهمه قوي تعليمها ولا المجموع اللي هتجيبه؟ هو أصلاً من إمتى مهتم وعارف بمواعيد دراستها؟ ـ أنا يا عم حمزة. تفاجأ بالإجابة التي صدرت من ليلى، لتلجمه عن المواصلة حين تابعت: ـ هو فعلا أول مرة يحضر أو يهتم بيوم امتحاني، بس أعمله إيه؟ وهو بدأ يهتم ويسأل، ده في الأول وفي الآخر أبويا. سقطت كلماتها على رأسه كَدَلْوِ ماء مثلج تُطفئ نيراناً مشتعلة، ليتدارك ويمسك لسانه حتى لا يندفع ويُخطئ بالقول عليه أمامها: ـ لا طبعاً ده أبوكي وله حق عليكي مهما حصل، معليش يا ليلى، عمك حمزة عصبي النهاردة شوية. ـ قول شويتين يا حبيبي، ده احنا مش عارفين نكلمك من ساعة ما دخلنا العربية، في إيه يا عم؟ تفوه بها معاذ، ليجبره على الاندماج قليلاً، وعيناه انصبت على تلك التي كانت تنظر عبر النافذة إلى الخارج، آخذة على خاطرها منه بعد انفعاله عليها أيضاً. ليرد ببيت الشعر الذي طَلَّ برأسه معبراً عن حالته: ـ معذور يا حبيبي، ولازم يبقى عنديكُم دم وتقَدَّروا: غيرة الراجل نار في مَرَاجِل... نار بتنوّر مابتحرقش وإحنا صعايدة مابنستحملش شمسنا حامية وعِرقنا حامي وطبعنا حامي واللي تخلّي صعيدي يحبها... يبقى يا غُلْبها لم تَقْوَ مزيونة على كتم ابتسامتها، ليُصَفِّق له معاذ بتهليل، ويضيف بمرح هو الآخر نحو زوجته التي غمرها الابتهاج هي أيضاً: ـ أيوه بغير لا أنا نقصان ولا ضعفان ولا مسطول ولا سكران ولا زايغ من عينيَّ الضي ولا حد أحسن مني في شي بس بغير واللي قالوا لك غيرة الراجل قلة ثقة أو قلة فهم... خلق حمير, ـ حبيبي يا عم هشام يا جخ. ....يتبع الفصل الرابع والأربعون ها هي قد أتت. مرٌت عدة أيام وهو في حالة غضب لا يهدأ، وعقله لا يكفّ عن التفكير منذ آخر لقاء جمعه بتلك الملعونة المتلوّنة. كم مرة رآها في شارعٍ أو زقاق، وقبل أن يتمكن من الاقتراب منها، تختفي كأنها زئبق، أو تنحشر داخل تجمعات الناس أو بين النساء. حتى هنا، في هذا المكان الذي أخذ وعدها بأن تأتيه بطلبه، لم تطأه قدماها إلا اليوم. كانت أسفل شجرة السنط، تلتقط منها مادة الصمغ الطبيعي ومجموعة كبيرة من الأوراق، تحشرها داخل كيسين من القماش، لكلٍّ منهما استخداماته، سواء طبية تقليدية أو أشياء أخرى يعرفونها هم، بحكم ترحالهم الدائم واستغلالهم لموارد الطبيعة. أكثر ما يميّز هذه الشجرة هو أشواكها الكثيفة، وهو ما جعلها تأخذ حذرها بتركيزٍ شديد. وكان هذا في مصلحته هو، فور أن وقعت عيناه عليها. احتبست أنفاسه، وتوهّجت عيناه بوميض صيّاد وجد فريسته، ليقترب نحوها ببطءٍ شديد، بالكاد تلامس أقدامه الأرض حتى لا تنتبه وتهرب منه كما في كل مرة. تقدّم خطوة، خطوتين، حتى إذا حانت اللحظة، وثب نحوها كالفهد، يقيّدها بذراعٍ، والآخر يكتم به أنفاسها. تلوت بشراسة، وصوتها يزمجر أسفل كفّه القابضة على فمها بقسوة، تغمغم بكلمات بذيئة وشتائم بالجملة. فشدّد هو قبضته، ورجّها رجًّا وهو يزمجر مهددًا: ـ اِهمدي... واقفلي خشمِك ده من الشتايم والكلام الزِفِر! أنا عطوة مش غريب يا أختي، يعني عارفة غرضي زين قوي؟ آخد حاجتي وأسيبك تغوري في داهية... خفّت مقاومتها وارتخى جسدها اللَّيِّن بين ذراعيه، مالت برأسها للخلف حتى التقت عيناها بعينيه، تطالعه باستسلامٍ وإغواءٍ جعله ينتفض ويتركها على الفور بغضبٍ متعاظم، زاجرًا بخشونة: ـ لا يا روح أمّك، بلاها الحركات دي... عشان ما اتعصّبش عليكي أكتر. رغم قوة الدفعة التي جعلت ظهرها يصطدم بجذع الشجرة بعنفٍ كاد أن يؤذيها، إلا أنها تجاهلت الألم، وقد وجدت ما يخفف عنها في الارتباك الذي حلّ بهيئته ونبرة صوته التي تجلّى فيها الاضطراب رغم تصنّعه غير ذلك، لتزيد من نعومتها وهي تخاطبه باسمه: ـ وه، وتتعصب عليا ليه بس يا سي عطوة؟ هو أنا عملتلك حاجة؟ ارتفعت قبضته نحوها حتى كاد أن يضربها، لكنها توقفت في الهواء، ينهاها كازًّا على أسنانه حتى تكفّ عن ألاعيبها معه: ـ في قبر هيلمك إن شاء الله لو ما اتعدلتيش وجبتي الأمانة اللي عندك! أنا مش فاهم والله، غايتِك إيه من حِتّة صورة؟ سمعت منه، فـقطّبت حاجبيها تتظاهر بالاستفهام، لكن سرعان ما بدّلت لتضرب بكفّها على جبهتها مدّعية التذكّر: ـ قصدك الصورة الـ... أخ... يا وعدك يا نورة، أنا كيف نسيتها دي؟ للمرة الثانية تدفعه للهجوم عليها، وهو بالكاد يحاول أن يتحاشاها، ليباغتها بالقبض على قماش الرداء الذي ترتديه، يدنو بوجهه أمامها صارخًا: ـ يا بنت الـ... قلتلك بلاها اللوع، ليه غاوية تختبري صبري عليكي؟ أصبحت المسافة الفاصلة بين الوجهين لا تتعدى السنتيمترات، وهو يهدر بالسباب والشتائم التي لا تعيرها اهتمامًا، وقد شرَدت بتلك الملامح الخشنة دون وسامةٍ ظاهرة. ليس جميلاً بالمعنى المعروف، ولكن به شيئًا يجذبها إليه، ذلك الشيء تعرفه تمامًا، وهو ما يصبّرها على وقاحته ومعاملته الدونية لها دون وجه حق. أما هو، فقد حاول بشتى الطرق أن يمنع ذلك الإحساس بالتأثّر تجاه تلك الملعونة، أو جنيّة البحر كما وصفها في أول لقاءٍ بينهما. لا تكتفي بجمالها الرباني، بل تدفع بأسلحتها الأنثوية حتى تجعله يفقد تركيزه في معظم الأحيان، وتُصعّب عليه مهمته، وهذا ما يضاعف من غضبه. ـ ساكتة وعمّالة تِسبّلي في عينيكي على أساس إني ممكن أتأثر بواحدة زيّك؟ إدّيني غرضي وغوري، أنا مش طايق أبص في خلقتك أصلاً! قابلت نورة مبالغته في تحقيرها وتعمّده توجيه الإساءة بابتسامةٍ داخلها، رغم ادعائها المسكنة واستجداءه: ـ الله يسامحك يا سي عطوة، دايمًا كاسر نفسي. على العموم، أنا برضك مش هشيل منك، بس أعمل إيه؟ شكلي اتلهيت ونسيت الصورة، حتى مش فاكرة حطّيتها فين؟... آه! صدرت الأخيرة منها بألمٍ حقيقي حين حطّت أنامله تقبض على عنقها ككلّابةٍ حديدية، يضغط بكامل قوته حتى كاد أن يقتلها خنقًا بالفعل، لولا أنه استدرك فعلته قبل فوات الأوان حين رأى التغيّر السريع في ملامحها؛ إذ تحوّلت بشرتها إلى الاحمرار الداكن بسبب احتباس الدم وعدم وصول الأكسجين، واتسعت عيناها بشكلٍ غير طبيعي وهي تناظره بخوفٍ وذُعر. استفاق نازعًا كفّيه عنها، يراقبها وهي تأخذ أنفاسًا عميقة ومتقطعة، وكأنها تتعلم التنفّس من جديد. تبع ذلك نوبة سعالٍ قوية ومؤلمة، وجسدها يحاول من خلالها إدخال أكبر قدرٍ ممكن من الأكسجين. حتى إذا استردّت بعضًا من وعيها، تطلّعت بعينين باكيتين تؤنّبانه: ـ حرام عليك، كنت هتاخد روحي فُطيس عشان صورة! تهون عليك روح بني آدم على حاجة ما تستاهلش؟ قيمتها إيه المرا دي عندك عشان تودي روحك في داهية؟ ولا لما أنت حاببها جوي كده، ما اتجوزتهاش ليه بعد ما اتطلقت من عرفان؟ ـ ما لِكيش صالح! صرخ بها، وقد التمعت عيناه لأمرٍ لم تفهمه، لينهي بتهديدٍ صارم: ـ قدامك بكرة يا نورة. إن ما جبتيش الصورة، يبقى اللي وقّفته من شوية هكمّله المرة الجاية، وقولي على نفسك يا رحمن يا رحيم. ــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ــ يوم اختبارٍ جديد قد تمّ الانتهاء منه بعد ليلةٍ من السهر والقلق، يليه انتظارٍ أمام لجنتها حتى الاطمئنان على خروجها مبتسمة كالعادة، فلا يتبقى سوى انتظار النتيجة. أما الآن، فقد حان موعد العودة إلى المنزل الكبير، وقد كان اليوم ممتلئًا بالأشخاص بحضور الشقيقات المتزوجات وأطفالهن. حسنية التي تترأس الجلسة كعادتها، بصحبة منى وزوجها، مع غياب باقي الشقيقات المنشغلات في المطبخ والأعمال المنزلية لوالدتهن. ـ يا مساء الخير، دا الحبايب كلهم موجودين! ألقى حمزة تحيته مرحبًا، ليقابله منصور فاتحًا ذراعيه بمبالغةٍ في رد التحية: ـ نسيبي الغالي، وحشتني يا غالي! تقبّل حمزة عناقه مرحبًا بشكٍّ قائلاً: ـ وفاتح دراعاتك وبتحضن كمان؟ لا شكلك رايق النهارده. يلا المهم إنك وحشتني أنت كمان. وأنتِ يا بت يا منى، عاملة إيه؟ مش عادتِك تبقي هادية؟ أومأت له بابتسامةٍ كإجابة، فتكفّلت والدتها بالرد عنها قبل أن تتجه بالحديث إلى البقية: ـ سيبوا منى في حالها، مش فايقالكم! طمِّنينا يا بت يا ليلى، عملتِ إيه في الامتحان؟ سبع ولا ضبع؟ ضحكت ليلى، ليأتي الرد من معاذ الذي هلّل بتفاخر: ـ سبع وسبع الرجال كمان يا حسنية! حرمنا المصون كدها وكدود. ـ يا خوي وإحنا نكره يعني! قالتها منى وهي تسحب ليلى لتجلسها بجوارها بعد أن اقتربت منها الأخيرة لتصافحها وتقبّلها، فيأتي دور مزيونة التي دلفت خلفهم مع ريان: ـ آهه، والبرنسيسة التانية كمان جت! تعالي يا ندلة يا اللي ما بتسأليش. لازم أنا أسأل، لكن أنتِ لأ. شهقت مزيونة مهرولة إليها بطيبتها: ـ يقطعني يا حبيبتي، هو أنا أقدر أستغنى عنك برضو؟ حبيبتي يا غالية، والله ملخومة في امتحانات ليلى. قابلت منى عناقها بحبٍّ دون جدال، فتدخل حمزة مدافعًا عن زوجته: ـ بتبرّري ليه يا ملكومة أنتِ؟ على أساس هي مقطعة رجليها على البيت؟ ردّت منى بغيظ: ـ شوف البارد ده كمان! أنا ليا عذري يا حبيبي. ـ عذر مين يا أمّ عذر؟ كان على رجليكِ نقش الحنّة يا أختي؟ قالها حمزة بسخرية، فجاءه الرد من منصور ضاحكًا: ـ لاه يا غالي، بس حامل... ـ هي مين اللي حامل؟ ضحك منصور ليعود ويؤكد بزهو: ـ المدام يا عمنا، منى أختك حامل! شيء من الذهول أصاب حمزة وهو يلتفت نحو شقيقته التي صارت تتلقى التهاني من مزيونة وابنتها وشقيقها معاذ، لينضم إليهم مهنئًا بعد أن تأكّد من صدق صهره: ـ مبروك يا منى، مع إنك موقّفة من كذا سنة، أنا افتكرتك استكفيتِ... ـ لا يا حبيبي، استكفينا إيه؟ هو في حد يستكفى من العيال برضو؟ تفوه بها منصور بعفويته، غافلًا عن أثر كلماته على من يرسم الإبتسامة اندماجًا معه، لكن داخله غصّة تكونت في حلقه لا يستطيع البوح بها. فردّت منى بغيظٍ من زوجها: ـ طبعًا يا حبيبي، هو أنت محتاج تعبّر ولا تتكلم أصلاً؟ والله يا حمزة واخدة كل احتياطاتي، وحالفة من جوايا ما أكرر الغلطة تاني، لكن إرادة ربنا غلبت، أكيد من دعوات الفقري ده، أنا عارفة لما يحط دماغه في حاجة... ضحك زوجها بصخب أمام تعليقات البقية وتهنئتهم، ليصيب الصمت حمزة وهو يتابعهم. أما معاذ فصار يهلّل بقدوم طفلٍ سيكون أصغر من طفله، كي يأخذ فرصته ويضربه إن لزم الأمر! وليلى التي كانت تقيس بطنها بجوار منى، وقد كانت متقاربة معها في الحجم تقريبا ولا تختلف عنها سوى بفرق قليل رغم فرق شهور الحمل بينهما. حسنية تنظر إليهم برضا، بينما مزيونة التي ظهرت عليها الفرحة بحق، لم تنتبه إلا مؤخّرًا إلى نظرة زوجها الغريبة إليها قبل أن يقوم ويستأذن مغادرًا، فصارت تتبعه بعينيها حتى اختفى خارج المنزل، وعقلها قد وصل أخيرًا إلى سرّ حالة الغموض التي تكتنفه. ــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ــ سألت عن مقر تواجده حتى وصلت إليه، لتطأ قدماها ذلك المكان الجديد عليها، رغم عدد الشهور التي قضتها في المنزل منذ زواج ابنتها، ثم زواجها هي أيضًا لتصبح فردًا من العائلة. هذه أول مرة تدخل الإسطبل. تلك المساحة المصممة بعناية من الخشب الداكن الذي اكتسب لونًا عتيقًا بفعل الزمن. رائحة التبن الجاف النظيف وجلد السرج المدبوغ تفوح في الهواء، ممزوجة بعبقٍ ترابيٍّ لطيف. وعبر السقف المائل، تتسلل أشعة شمس الأصيل الذهبية لتستقر في شكل أعمدة من النور. وفي ركن الإسطبل، حيث الضوء أكثر خفوتًا، وقعت عيناها عليه. يقف بوضعٍ شبه ثابت، يسند ظهره إلى إحدى الدعامات الخشبية، نظراته مثبتة على حظيرةٍ واسعة قليلًا، حيث ترقد الفرس الأم، وإلى جانبها كان المهر المشاغب الذي لا يكف عن الحركة، حتى نهض ليشغل المساحة حولها بالقفز يمينًا ويسارًا. مشهدٌ يسرّ العينين، وهو يراقب بصمتٍ ثقيل. تبدو على ملامحه علامات الإرهاق والهمّ، بالتأكيد هي انعكاس لما يدور برأسه من أفكارٍ تعلمها جيدًا. ـ حمزة... نادته كي تنتشله من شروده، وتجذب انتباهه إليها، فتعلق بصره بها حتى اقتربت منه، تخاطبه بابتسامة يشوبها الاضطراب: ـ إيه الحكاية؟ طلعت من جارنا واختفيت فجأة! حضرنا الأكل، وبقينا ندور عليك عشان تتغدى معانا مش لاقيينك، غير بس الواد ابن أختك منى هو اللي دلّنا، وقال إنه شافك كنت داخل عند الفرسة من يجي ساعة، معقولة كل ده قاعد بتتفرج عليها يا حمزة؟ حمحم بصوتٍ خشن ليجيبها بفتور: ـ عادي يعني، أنا ممكن أكون سرحت ونسيت الوقت. على العموم أنا أصلًا ما ليش نفس. روحي اتغدي إنتِ معاهم عادي، وأنا شوية كده وهاجي أشرب الشاي معاكم بعد ما أعمل مكالمتين مهمين. لم تستجب، بل تجمّدت برهة قبل أن تباغته بقولها: ـ حمزة، هو إنت زعلان عشان مني طلعت حامل؟ احتد بصره نحوها بضيق، ينفي مستنكرًا: ـ لا طبعًا! إيه اللي بتقوليه ده؟ هحقد على أختي وجوزها يعني؟ نقّي كلامك يا مزيونة! شعرت بالحرج حين انفعل عليها، لتعبر عن أسفها بصوتٍ مختنق وعينٍ احتجزت فيها الدموع: ـ معلش، أنا آسفة. همّت أن تلتف وتبتعد عنه، وقد تحركت قدماها خطوتين إلى الخلف كي تغادر، ولكنه كان الأسبق، يمنعها قابضًا بيده القوية على ساعدها ليردّها إليه: ـ رايحة فين وهتسيبيني؟ أنا لسه سمحتلك تمشي أصلًا؟ قال الأخيرة بنبرةٍ مازحة، ليرفع ذقنها إليه متطلعًا إلى عينيها التي التمعت بالعبَرات، فزاد ذلك من ثقل ما يشعر به، ليضمها بين ذراعيه دون سابق إنذار، مرددًا بندم: ـ ما عاش ولا كان اللي ينزّل دمعتِك، حتى لو كان حمزة نفسه. تلقت مبادرته بلهفة، لتشدّ عليه بذراعيها، تسند رأسها على صدره الدافئ، وفي رحِب حضنه الذي تجد فيه ملاذها، لتقول: ـ أنا حاسة بيك يا حمزة، وعارفة إن اللي جواك مش حقد ولا غيرة عفشة. إنت نفسك تخلّف مني، وأنا أكتر والله، بس... بس... ـ بس إيه يا مزيونة؟ بس إيه بس؟ اتكلمي الله يرضى عنك، خلينا نشوف لو في مشكلة نحلّها. لم يكن حديثًا، بل كان رجاءً، وكان ردها الصمت. شعر برجفتها واضطراب أنفاسها، لقد بدأت تتخذ الأمر بجدية لكنها تحتاج إلى الجرأة: ـ أنا معاكي يا مزيونة وهصبر عليكي، بس المهم تاخدي الخطوة معايا وتجمّدي قلبك. شوفي، نبتدي بإيه؟ دكتورة نِسا ولا دكتورة نفسية تاخدي وتدي معاها في الحديت؟ أيضًا كان ردها الصمت، لكنه لم يدم طويلًا هذه المرة حين قطعته قائلة: ـ لا دكتورة النسا ولا النفسية هيجبوا فايدة إن ما كنتش أنا مستعدة. اصبر عليا شوية كمان يا حمزة، هانت... أغمض عينيه وتنهد بتعب، يقبّل مقدمة رأسها عدة مرات قائلًا بقنوط: ـ أصبر عليكي مية سنة كمان، ولا يهمك يا قلب حمزة. رفعت وجهها المغرق بالدموع، تتبسم في تضاد مع هيئتها، لتقول بعشقٍ صادق: ـ أنا بحبك قوي يا حمزة، وبحب ريّان عشان بشم ريحتك فيه، حتى أحيانًا بتمنى أجيب عيل شبهه، يعني يبقى واخد منك ومنه. ظهرت أسنانه البيضاء نتيجة ابتسامةٍ متسعة حلت بزاوية شفتيه بعد سماعه ولأول مرة لرغبتها في الإنجاب منه. إذن قد اقتربنا، ليغمره الفرح بعد كلماتها، فيأتي رده العملي على الفور، إذ دنا بوجهه يقبّل ثغرها الذي ألطف على قلبه بما يتمنى سماعه. بادلته مستجيبة بلهفة، فإن كان يرغبها ويرغب الإنجاب منها مرة، فهي أيضًا تعلقت بقربه وأصبحت ترغبه وترغب الإنجاب منه آلاف المرات.  داخل حجرة المُدرِّسات، وقد تقلص عدد اللاتي يعملن في ذلك الوقت إلى اثنتين فقط تقومان بالأعمال الإدارية. كانت إحداهن اعتماد، والأخرى في المكتب المقابل لها. كل واحدة منهكة فيما يخصها، حتى رفعتا رأسيهما في اللحظة نفسها، تزامنًا مع الرائحة التي هبّت فجأة تتخلل أنفاسهما مع دخول إحدى السيدات الجميلات برداء العباءة السوداء الباهظة الثمن. وقفت لحظة تُطل بكليتها من مدخل الباب، وبابتسامةٍ سامة ألقت التحية على المرأة ثم على اعتماد التي أصابها الذهول وهي تراها: ـ صباح الخير يا أبلة عطيات... صباح الخير يا... أبلة اعتماد! ولا أقولك يا ضُرتي أحسن؟ خرجت الأخيرة بصوتٍ خفيض إلى حدٍّ ما، لتصل العبارة واضحة إلى اعتماد من تلك المسافة القريبة. أما عطيات فقد انتفضت من محلها ترحب بها بمبالغة: ـ يا أهلًا يا أهلًا بالست هالة، ست الناس بنت العيلة! ده إيه الطلة البهية دي! قابلت هالة تحيتها بتواضعٍ مُزيَّف، تُصافح المرأة وتتبادل معها الحديث بعجالة أمام اعتماد التي أصابها الذهول بالخرس، والتصقت بالمقعد تراقب الحديث الذي يبدو وديًا أمامها: ـ عاملة إيه؟ عاملة إيه الست حسنية؟ يا رب تكون بخير. سلّمي لي عليها يا شيخة، من بدري ما شفتهاش. ـ ما تشوفي وحش يا حبيبتي، هي زينة الحمد لله، بس إنتِ عارفة عاد، هي طول الوقت مشغولة في البيت المليان بعيالها وعيال عيالها. ـ ربنا يزيدكم ويبارك يا حبيبتي. أنا لازم أعدي عليها بنفسي. لكن إنتِ ما قلتِليش، جاية النهاردة عشان تقديم البنت برضه؟ نفت هالة بابتسامةٍ غير مفهومة، وعينها اتجهت نحو اعتماد تجيبها: ـ للأسف يا غالية، أنا مش جاية عشان البِت، دي موضوعها اتحل من البداية، والفضل طبعًا يرجع لأبوها، ربنا يخليه. إنما أنا النهاردة جاية لحاجة تانية خالص، جاية لحبيبتي اعتماد... ضُرتي القادمة. الذهول هذه المرة لم يكن من نصيب اعتماد فقط، بل أصاب زميلتها عطيات أيضًا، والتي صارت تنقل بصرها بين الاثنتين باضطرابٍ ملحوظ. حتى استفاقت الأخيرة واستعادت بأسها، لتطلب من زميلتها بلطف: ـ أبلة عطيات، ممكن بعد إذنك تطلبي من الدادة أم صالح تعمل لنا فنجانين قهوة من البن الخصوصي بتاعي؟ معلش يعني. أومأت المرأة برأسها بارتباك وعجالة: ـ تمام حاضر... أم صالح مش موجودة النهارده،بس أنا هعملكم أحلى فنجانين قهوة... وخرجت تُهرول من أمامهما، وكأنها في سباقٍ للحاق بالقطار. أما هالة فقد تقدمت خطوتين وجلست دون استئذان أمام مكتب اعتماد، تضع قدمًا فوق الأخرى بقصدٍ واضح، لم تغفل عنه الأخرى، لتبادرها بالحديث مباشرة: ـ ممكن أفهم إيه اللي جابك عندي يا هالة؟ ردت الأخيرة بعد أن زمّت شفتيها بسخرية: ـ أممم... وحسّك عليّ كمان! بعد ما خدتي الثقة من حمزة نفسه، اللي بيزُق أخوه على جوازه منك، وإنتِ ما صدقتي؟ أموت وأعرف عملتيها إزاي دي؟ قلبك قواكي تكلميه وتحكي معاه وتفضفضي؟ أمّال فالحه بس تلبسي الوش الخشب قدام الكل في البلد، لكن عند عيال القناوي الأمور بتتغير... قالت الأخيرة بغمزةٍ بطرف عينها، لتُشعل الدماء في رأس الأخرى، فهَدرت بها: ـ احترمي نفسك يا هالة، وبلاها تلميحاتك الماسخة. مش محتاجة أدافع عن نفسي، عشان أنا فوق مستوى الشبهات أصلًا. عندِك نية تسمعي وتفهمي، أنا ممكن أحكي لك عن الأسباب اللي أدت لكده يعني... ـ أدّت وزفّت! سيبك من أمور السهوكة اللي ابتدت تظهر عليكي على كِبَر، عشان أنا صاحية وفاهمة جويّ لألاعيبك. على العموم هو اللي جابه لنفسه، حد يسيب هالة ويبُص لاعتماد؟! حقًا جرحها الوصف، ورغم غلاظة قولها، إلا أنها تؤمن داخلها بقوة أنها بالفعل لن تتفوق عليها في الجمال، لكن لِمَ التفكير، وهي لم تحسم أمرها من الأساس؟! لتتنهد بيأس، وبنبرةٍ مهزومة سألتها: ـ تمام خالص يا هالة، إنتِ عندِك حق. ممكن أعرف طلبك إيه مني بقى؟ سمعت منها، وكان رد فعلها أن مالت رأسها بأنوثةٍ وميوعة تخبرها: ـ ولا حاجة يا سِتّي، أنا بعد كلام خليفة، راجلي وحبيبي، هيبقى ليَّ رأي تاني؟ على العموم يا سِتّي، لو ليكي غرض فيه اتجوزيه، وأنا قابلة بيكي ضُرّة، مدام نصيبي كده. تعقد حاجبا اعتماد باستنكارٍ وريبة، لتعقّب علي وقاحتها سائلة: ـ ليا غرض فيه؟! بغض النظر عن الجملة المستفزة، إنتِ عايزة مني إيه بالظبط يا هالة؟ زادت ابتسامتها اتساعًا لتعيد وتؤكد بثقةٍ وغرور: ـ كلامي مالوش غير معنى واحد بس يا حبيبتي. مش إنتِ اخترتي وعرفتي توقعي الراجل رغم تحذيري ليكي؟ يبقى خلاص بقى... مبروك عليكِ جوزي يا ضُرتي! اهتز رأس اعتماد بتشتت، لا يمكنها استيعاب تصرفات تلك المرأة. هذا الهدوء المبالغ فيه وإظهار التسامح في أمرٍ كهذا أبعد ما يكون عن شخصيتها. اللعنة! ماذا تدبّر لها؟ ـ بقولك إيه يا هالة، بصي... انسي كده يا حبيبتي وشيلي الفكرة خالص من دماغك، أنا مش هكمل. إيه رأيك؟ أصدرت من فمها صوت استهزاء قائلة: ـ على أساس إن أنا هبلة وهصدقك يعني؟ على العموم، أنا جيتك بنفسي وبلغتك بموافقتي، ما تنسيش بقى يا غالية تبلغي حبيبي خليفة بموقفي، عشان يعرف إن أهم حاجة عندي راحته. ونهضت تلملم حقيبتها استعدادًا للخروج، حتى قطع عليها دخول الأستاذة عطيات، حاملة صينيةً وعليها بعض الأشياء قائلة بحماس: ـ أنا جيت بالعدة بتاعة القهوة كلها. شوفي بقى مزاجك إيه يا ست هالة، مظبوط ولا سادة ولا زيادة؟ وأنا أعملك من علبة الأبلة اعتماد. ردت هالة بابتسامةٍ صفراء: ـ معلش يا حبيبتي، اشربي إنتِ مكاني. لاحقتها عطيات بقولها: ـ يا ريت كنت بشربها! أنا آخري كوباية شاي لو قدرت. اقعدي يا هالة، ده الصنف اللي بتجيبه اعتماد، مش أي حد يشربه. مرة أخرى رفضت على عجالة وهي تغادر الغرفة: ـ مرة تانية يا عطيات، تشكري يا حبيبتي. وخرجت تترك اعتماد في حالةٍ من الذعر، وداخلها قد حسمت أمرها أن تنهي تلك الخطبة المزعومة، حتى ولو كان ذلك ضد رغبتها. ــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ــ أما عن هالة، والتي خرجت من مبنى المدرسة رافعة الرأس بشموخٍ وغرور، بعد أن نفّذت هدفًا لا بأس به، حين رأت الرعب الذي غلَّف ملامح اعتماد، فقد غمرها شيء من الزهو. هي الأدرى بمصلحتها الآن؛ فإن استمرت، فعليها أن تتوقّع العواقب، وإن صدقت وعدها بالابتعاد، تكون قد جنَّبت نفسها وأشقاءها الأذى الذي تستحقّه. كانت في طريقها لتنعطف من الشارع الرئيسي كي تكمل طريقها داخل الشارع الآخر، حتى أبصرت بعينيها السيارة التي تعرفها جيدًا، سيارة زوجها، وهي قادمة نحوها. تراجعت على الفور إلى خلف إحدى الأشجار في ركنٍ منزوٍ إلى حدٍّ ما، كي تتخفّى، وفي الوقت نفسه تراقب حتى وصوله إلى أمام المبنى. ترجّل منها، مرتديًا جلبابه الأنيق، وساحبًا في يده كيس هدايا كادت عيناها أن تخرج بسببه، ثم دلف إلى داخل المدرسة. أخرجت هي سريعًا هاتفها من حقيبتها واتصلت بالرقم الذي كلَّفته سابقًا بمراقبته: ـ أيوه يا واد يا حسني، ما بلغْتنيش ليه إن عمك خليفة جاي المدرسة؟ مش أنا مبلغاك يا زفت تحط عينك وسط راسك معاه؟! بلا خالتي بلا زفت، وبطّل حلفاناتك دي! أكيد انشغلت عنه في قعدة مع أصحابك الفاشلين، أنا عارفاك... بتقول إيه؟ ودخل مكتبة الساعدي يعمل إيه؟ أنا شوفت كيس هدايا معاه... إيه؟ جايب هدايا عيد ميلاد وسلسلة فضة كمان بحرف الـ (A)! طب اقفل يا حسني، اقفل... أنهت المكالمة وعيناها مصوَّبتان على مدخل المدرسة، تردِّد بفحيحٍ ووعيد: ـ ماشي يا اعتماد... شكلك من أولها هتجيبي نهايتك معايا... ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ـــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ أما في داخل المدرسة، فقد كانت اعتماد في حالة من البؤس جعلتها لا تنتبه إلى دخوله، إلا حين صار أمامها، لترفع عينيها عليه تناظره بفتورٍ وهو يلقي التحية ويسأل عن الأستاذة عطيات التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت: ـ صباح الخير، حلو... الأبلة عطيات مش موجودة، هي راحت فين صحيح؟ قالها بنوعٍ من المزاح، لم تستجب له، وهي تجيبه بجدية: ـ الأبلة عطيات طلبها المدير. كويس إنك جيت، عشان أنا كنت عايزاك. تبسَّم مُرحِّبًا: ـ وإيه؟ عايزاني مرة واحدة؟ طب تحبي نتكلم هنا برضو، ولا ناخد راحتنا في أي كافيه برّا؟ أومأت بموافقةٍ نابعةٍ من يأسها: ـ في أي حتة بعيد عن هنا، بس يا ريت يكون دلوك... لو فاضي يعني؟ رغم تسرُّب شعورٍ غير مريحٍ من نبرتها، إلا أنه تلقّى دعوتها بحماسٍ شديد: ـ فاضي قوي، يلّا بينا. سمعت منه، ونهضت تلملم أوراقها ومتعلّقاتها وتضعها داخل حقيبة يدها، ثم خرجت معه دون أن تنتبه إلى كيس الهدايا الذي ما زال بيده. وقد وجدها فرصةً جيّدةً جدًا لمفاجأتها، فهذا الطلب كان برأسه منذ البداية، لكنه خشي من رفضها. استقلّ الاثنان السيارة، لتسير بهما إلى وجهتهما، غافلين عن زوج عيونٍ كانت تراقبهما، وقد اشتعل داخلها الجحيم. وقد حسمت الأمر في القضاء على تلك المخادعة التي توعِد بشيء وتفعل خلافه؛ حتى علَّقت بها خليفة الرزين، ليأتي ويقدّم لها الهدايا كالمراهقين وهو لم يدخل بها بعد! فما بالها بعد أن يتزوّجها؟ ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ عادت نورة الغجرية إلى نَصْب الخيام الذي تتخذه مسكنًا لها في تلك البلدة منذ فترة ليست بالهينة. كانت في طريقها إلى خيمة والديها حين تفاجأت بمن يظهر لها من العدم ويعترض طريقها: ـ وِهْ، عروستي الحلوة! أخيرًا طليتي تنوَّري دنيتي، بعد ما قعدت بالساعات على الخيش في انتظارك! قابلته بابتسامةٍ لا تصل إلى عينيها: ـ أهلاً يا عرفان، معلش، لو أعرف إنك قاعد ما كنتش اتأخرت. على العموم تعالى اتفضل... همَّت أن تتحرّك، لكنه أوقفها: ـ يزيد فضلك يا عروسة، أنا ورايا مصالح مهمة ما ينفعش تتأخر. على العموم إحنا هنروح من بعض فين يعني؟ بكرة نكتب الكتاب ونعلّي الجواب. قطّبت ناظرةً إليه باستفسار، فأردف مجيبًا: ـ أيوه يا عروسة، ما أنا حددت مع أبوكي من شوية، واتفقنا على كل حاجة. بكرة كتب الكتاب والحنة، وبعده دَخْلتنا يا قمر... ـ دخلة مين يا غالي أنت؟ أنت بتخرّف؟ بتقول إيه بالظبط؟ قاطعته بانفعالٍ أثار غضبًا كان يكتمه منذ فترة، فهو ليس بالغبي حتى تنطلي عليه ألاعيبها، ومع ذلك كان يستمتع بخداعها طمعًا في الفوز في النهاية. اشتدّت تعابير وجهه فجأة، يرمقها بحدّةٍ قائلًا: ـ نقّي كلامك زين يا نورة، عشان أنتِ مش قد غضبي. وإن كان على التخريف، فأنا آخر واحد يهلفط بكلمة مش في مكانها. اسمعي يا بت، أنا صاحي لك قوي وواعي لألاعيبك معايا. أكتر من شهرين دلوك وأنا رايح جاي وواجع دم قلبي عشان ننجز، وأنتِ كل شوية تطلعي بحجة وتطلعي بطلب! عملة مرتي لما ضربتك، أنا ما حاسبتكيش عليها، بس ركنتها وخلتني أحسم أمري. مدام اتفضحت جدام الخلق وكده كده عرفوا إني هتجوز غجرية، يبقى إيه اللي هيخليني أستنى؟ دا غير إني دافع كتير قوي... صمت قليلًا يلتقط أنفاسه وهو يراقب ملامحها الجميلة وقد أصابها الذعر، ثم أردف بحزم: ـ أنا جبت لك شنطة هدوم جوا، اتفرجي عليها ونقّي اللي ينفعك لبكرة. دا غير إني عامل ليلة كبيرة، دابح ومكلّف، عشان أوكِّل كل ناسك. أخرج تنهيدة ساخنة يمشطها من أعلى إلى أسفل بنظراتٍ وقحةٍ أثارت القشعريرة في جسدها، ثم أردف أخيرًا: ـ يلّا شوفي هتعملي إيه عشان تجهزي من دلوك، ما فيش وقت. وأنا كمان ألحق أخلّص اللي ورايا... أسيبك بقى يا لهطة القشطة، بكرة ميعادنا إن شاء الله... أخرج تنهيدة أخري ثم غادر لتدخل الأنفاس إلى صدرها أخيرًا، وتحركت سريعًا نحو خيمتهم لتجد والدتها أمامها، فصرخت بها: ـ ممكن أعرف الخَرْتيت دا اتفق معاكم على إيه بالظبط؟ عمال يخرّف بكلام ويقول كتب كتابنا! معقول يكون بيتكلم جد؟ رفعت والدتها الفِراش الذي كانت تعمل على طيِّه، ثم وضعته في ناحيةٍ مع بعض الأغراض الخاصة بهم استعدادًا لتنظيفها، وردّت عليها بعد أن حدَّقتها بنظرةٍ صارمة: ـ وهيهزَّر ليه إن شاء الله؟ عيل صغير هو؟ عرفان اللي كنتِ فاكراه أهبل وآخره كلام، طلع حاسب كل مليم صرفه علينا، على أساس إنه عريسك! وحلف مية يمين إنه لو ما نفّذناش بُكرة بكتب الكتاب، ليكون جايب البوليس ولمّمنا كلنا في بوكس واحد! قالت نورة بعصبيةٍ وهي تشيح بيدها: ـ اسم الله على جنابه! طب يعملها كده ويشوف معانا حق ولا باطل! تركت المرأة ما بيدها لتزجرها بنفادِ صبر: ـ لأ، هينفّذ يا أختي، وهيعمل كتير قوي! لمِّي الدور يا نورة، أنتِ اتغليتِي عليه كتير، وخلّيتيه صرف كتير. كل حاجة وليها تمن، ومادام وعدتيه وأدّيتيه كلمة، يبقى خليكِي كدّها. إحنا مش حِمل أذية. كانت نورة في حالة من النكران، حتى بدأت تستوعب أخيرًا حجم المصيبة التي وقعت فيها هي وأهلها، فقالت محاولةً تليين نبرتها: ـ خلاص يا أمَّه، نسيب البلد دي خالص، إحنا لينا فيها إيه أصلاً؟ قولي لأبويا وللعيال نلمّ حاجتنا عشان نِرحل من العشية. ضاقت حدقتا والدتها وهي تطالعها بغيظٍ شديد قبل أن تفحمها: ـ على أساس إن دي حاجة تفوته؟ عرفان قالها بالمفتشر يا نورة، إنه مطوِّق البلد برجالته، عشان لو حد فكّر بس، مش مجرد التفكير زيّك كده! ابعدي يا بت، ابعدي خلينا نكنس وننفض، ورانا فرح. قالتها المرأة وهي تُزيحها من أمامها، تؤدي ما نوَّهت عنه بجديةٍ دون اكتراثٍ لصدمة ابنتها التي يرفض عقلها مجرد التصديق. أيُعقل أن تُجبر على زواجٍ لا تريده؟! هي الحرّة التي لا يُغلبها أحد، تأخذ دائمًا ولا تُقدِّم شيئًا. مَن عرفان هذا حتى تُضطر إلى معاشرته على غير إرادتها؟ وقعت عيناها فجأةً على تلك الصورة التي سقطت من الفِراش، فانحنت ترفعها وتتأملها طويلًا... تلك التي كادت بسببها تُزهَق روحها، تُرى، أتكون سببًا في نجاتها أيضًا؟ ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ كانت تسير في طريقها بعينين يغشاهما ظلامٌ دامس، والغلّ يشتعل في قلبها كجمرٍ متّقد، فيما الشيطان يؤجِّج الفكرة في رأسها حتى لم تعد ترى أمامها شيئًا. لن تسمح لتجربتها المريرة أن تتكرّر مرةً أخرى. تلك الملعونة التي سيطرت على عقل زوجها لا بدّ من الخلاص منها فورًا؛ فهي من جلبت الأذى لنفسها، وهي من أخطأت في حقّ امرأةٍ متزوّجةٍ لا تريد سوى الحفاظ على بيتها، إذن فلتتحمّل العقاب. توقّفت فجأة أمام إحدى الصيدليات البيطرية التي تعرف صاحبها جيدًا، لتجد نفسها، دون تفكير، تدلف إليه وتقول مباشرةً: ـ إزيّك يا توفيق، كنت عايزاك في طلب. أجابها الرجل الأربعيني بلهفةٍ وابتسامةٍ متملِّقة: ـ اُؤمري يا ست الكل، عينيا ليكي. قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل خبثًا مكتومًا: ـ عايزة سِم يتحطّ في الأكل أو الشرب، لا يعمل ريحة ولا يبان في الطعم. ممكن تجيبهولي يا توفيق... وتاخد اللي أنت عايزه؟ ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ـــــــــ ✦ ✦ ✦ استغلَّ الفرصة على أكمل وجه، ليأخذها إلى مقهي يُطلّ على النيل مباشرةً، حيث جمعتهما طاولة في ركنٍ منزويٍ إلى حدٍّ ما، وسعادةُ الدنيا تغمر قلبه. الجوّ رائع، والنيل أمامه، والجميلة التي كان يرجو موافقتها تجلس قبالته الآن، لكنّها حزينة بعض الشيء، وهذا ما لا يتقبّله في يومٍ كهذا. يومُ ميلادها يجب أن ترى فيه السعادة وتشعر بها. قالت باستغرابٍ حين مدَّ يده بـكيس الهدايا ووضعه أمامها مباشرةً: ـ إيه ده يا خليفة؟ فأجابها بابتسامةٍ هادئة: ـ افتحي وشوفي. نظرت إليه بضيقٍ واضح وهي تُعارضه: ـ وأشوف ليه؟ ما هو باين إنه كيس هدايا. أنا بسألك: إيه لازمتُه؟ وأنا مالي بيه من الأساس؟ تنهد برويّةٍ كعادته، فقد اعتاد على ردودها الانفعالية، بل أصبح يتقبّلها برحابة صدرٍ تُشبه صبر العاشقين: ـ ماشي يا أبلة اعتماد، هـشرحلك عشان تفهمي. أنا يا ستي راجل لا بيا ولا عليّا، اتفاجئت النهارده بـ"عمّ الفيس" يجيبلي إشعار إن النهارده عيد ميلاد الأبلة اعتماد، ولازم تدخل تهنيها بنفسك. بصراحة حسّيتها بايخة، وقلت لازم أقولها عملي. كل سنة وإنتِ طيبة يا اعتماد. جاءت تهنئته بدفءٍ وصدقٍ تخلّل نبرته، فتجمّدت أمامه في حالةٍ من عدم الاتزان، قبل أن تمتد يدها بتردّدٍ لتكشف محتويات الكيس الممتلئ بالهدايا، رغم عدم نيتها في تقبّلها. لكن ما إن وقعت عيناها على تلك الأشياء الصغيرة القيّمة حتى شعرت بانهيارٍ داخليٍّ مفاجئ: دبدوب صغير من النوع المنتشر بين الفتيات الصغيرات، وميدالية أنيقة بأول حروف اسمها، وساعةٌ رائعة، ثم الأخيرة... سلسلةٌ من الفضة بداخلها خرزةٌ زرقاء، وأول حرفٍ من اسمها بتصميمٍ مميّز. فعلّق خليفة بابتسامةٍ خفيفة: ـ كان نفسي أجيبها دهب، بس أنا مستني موافقة الأبلة. مع إني باحب الفضة برضه، بس الدهب في حالتي دلوك معناه عهد جديد، وأمنية بتمناها تتحقق. فهمت مقصده تمامًا... فهو يقصد موافقتها على الارتباط به بصورةٍ حقيقية، خاليةٍ من التمثيل. عند هذه اللحظة فقدت آخر ذرةٍ من تماسكها، فتساقطت دموعها، ودخلت في نوبةٍ من البكاء وهي تقول بانهيار: ـ ليه يا خليفة جاي دلوك؟! طول عمري بدعي ربنا بالـعوض، قوم لما ييجي، ييجي في الوقت الغلط! ليه بتشوّق قلبي على جنةٍ عارفة إني عمري ما هطولها؟ ليه بعد ما اتعودت على حياتي الناشفة تاجي تفوّقني لنفسي وللدنيا؟ ليه يا خليفة؟ وأنا فقدت الأمل واستريحت، تقلب عليّا المواجع ليه بس؟ وأنهت ببكاء يثير فزعه عليها وييتنفر غضبه: ـ ليه البُكا دا كله يا اعتماد؟ أنا جايب الحاجات دي عشان أفرّحك، مش أحزّنك! فيه حاجة مزعلاكي؟ من ساعة ما شفتِك وأنا حاسِك غريبة، مش طبيعية. توقفت عن البكاء بصعوبة، تستجمع قواها، وتحاول حسم الأمر حتى تنهي كل شيء: ـ معلش... دي حالة دراما وتأثر مالوش لازمة. بس المهم دلوقتي الطلب اللي هطلبه منك، وياريت ما تراجعنيش فيه. ـ طلب إيه؟ سألها بتوجس فجاءته الصدمة بإجابتها الحاسمة: ـ نفضّ التمثيلية دي يا خليفة، وكأن شيئًا لم يكن. أنت تشوف حالك، وأنا أشوف حالي. ـ نعم؟! فهميني تاني. قالها بلهجةٍ إستنكارية، فأكّدت له بنبرةٍ لا تحتمل النقاش: ـ مش محتاجة شرح. ارجع لمراتك أم ولادك، أو اتجوز غيرها، أنت حر. عشان أنا خلاص قررت أرجع لطليقي... الأستاذ عليوة. يعني ما فيش داعي للتمثيلية دي من أصلها.  الفصل الخامس والأربعون لماذا تحزن، وقد أصبح الحزن جزءًا منها؟ هل كانت تأمل أن ينقلب الحظ البائس، فتنعم بالسعادة التي كانت تتمنى؟ وهل كانت ستعتاد على ذلك إن صار؟ كيف؟ وقد التصق بها الحزن منذ مولدها، وتاهت السعادة عن طريقها، لتذهب إلى من يستحقها، أما هي فلا وألف لا. ذلك هو حديث نفسها الذي لا يتوقف، وهي متكوّرة في فراشها كالجنين. حتى الدموع جفّت ولم يعد لها وطأة. فقد أصبحت كالميتة، بجسد منهك وروح ممزقة كقطعة قماش لم تعد فيها مساحة صالحة لارتدائها، بعد تلك المقابلة التي تمت معه. أتى لها بما يفرحها، كي يحتفل بعيد مولدها الذي لا تعترف به في قائمة الأيام المهمة أصلاً، من كثرة ما أهملته. أتى ليحتفل معها، حاملاً لها الهدايا، وكان ردها بالعكس، أن تصدمه برفضها وتطالب بابتعاده عنها. كل كلمة وكل حرف في تلك المقابلة حُفِر في عقلها: (ـ تمثيلية إيه؟ وكلام فارغ إيه! عايزة تفهميني إنك بتتكلمي جد؟ تهز رأسها بعلامة التأكيد، والدموع تتساقط على وجنتيها، غير قادرة على مواجهة عينيه، ليصيح بها منفعلًا: ـ حُطي عينك في عيني، عليوة مين اللي هترجعي له؟ أنا أصلاً مش مستوعب إنك بتتكلمي صح! فهميني لو حد هدَّدك، أو حصلت حاجة من جهة الواطي جوز أختك، ولا الكلب اللي بتجيبي سيرته؟ ـ ما فيش حد هددني، افهم بقى الله يرضى عنك. صحتْ ردًّا عليه بانهيار، غير قادرة على الجدال من الأساس، لتزيد عليه بتصميم: ـ أنت اللي ناسي إنك متجوز، ووراك عيال ومسؤولية وزوجة، ده كله يجرحها... ـ بس أنا قلت لك إن هي وافقت بالضُرة. قاطعها بها، ليأتي ردها الفاصل بقوة: ـ كدب... ما فيش واحدة ترضى على نفسها بالضُرة، ولا أنا كمان أقبل أروح على واحدة، ويتقال عليَّ خطّافة رجالة. ـ ما حدش يقدر يجيب سيرتك بحرف يا اعتماد، سيبك من أمر هالة، أنا كفيل بيه، خليكِ في الطلب اللي طالبه منك، أنا مش عيل صغير عشان أقول كلام في الهوا، واللي أنتِ شايفاها تمثيلية دي، أنا اعتبرته حقيقة من أول يوم. توقف يتابع بلهجة صادقة لامست شغاف قلبها: ـ مش فرض أمر واقع، دي فرصة جات لي من السما وأنا مسكت فيها بإيديا وسناني عشان عايزك... أنتِ محتاجاني وأنا محتاج لك، حتى لو أنكرتي وهربتي بعينك مني، زي دلوقتي، وأنا عارف ومتأكد إن في شيء عظيم هو اللي وصلك للحالة دي، والشيء ده أنا لازم أعرفه. انتفضت ناهضة من مقعدها أمامه، لتنهي الجدال بفظاظة، كي تقطع عليه أي فرصة لاستدراجها في الحديث: ـ فيه ولا ما فيش، أنا بلَّغتك رأيي يا خليفة، وأنت حر مع نفسك، عايز تتجوز يا سيدي اتجوز، بس أنا بقى رافضة آخد لي راجل بعيال، عن إذنك. تحركت مغادرة، فتبعها ساخرًا: ـ لكن قبلتي فجأة ترجعي لواحد كنتِ قرفانة حتى ما تبصي في وشه؟ هتعمليها إزاي دلوقتي بعد ما طيَّرتلك سنانه؟ التفتت إليه برأسها ترمقه بنظرة مشتتة زادت من حيرته، ثم استدارت سريعًا تغادر من أمامه، وكأن الشيطان يلحقها. تاركة له الهدايا، وتاركة كل شيء جميل خلفها، من رجل الأحلام الذي كانت تتمناه، ولكنه جاء في الوقت الخطأ كي يزيد من عذاباتها. والآن نفسها صارت تتمنى الرحيل، ربما تجد الراحة) "حتى النهاردة كمان هتفضلي لازقة في سريرك ومش هتروحي شغلك؟" ما كان هذا سوى صوت رغد، شقيقتها التي تموت قهراً عليها من وقت أن دلفت إليهم منذ عدة أيام تخبرهم أنها قد انفصلت عن خطيبها المزعوم، ولن تكمل الزواج المزعوم بسبب خلاف حدث بينهما، وتهديد صارم بألا أحد يتدخل. بالطبع لم تسمع لها وتواصلت في الخفاء مع خليفة الذي أكد لها أنه لم يرضَ بالانفصال ويحاول أن يتواصل معها ولكنها لا تعطيه فرصة، وقد أغلقت هاتف هديته، والهاتف الخاص بها لا تستعمله سوى للضرورة القصوى. تنهدت رغد بأسى تعيد عليها: ـ يا اعتماد، ناوية تروحي النهاردة ولا...... ـ رايحة..... قاطعتها بها لتعتدل فجأة بجذعها، وتشرع في ترك الفراش مُردِفة لها: ـ روحي إنتي اعمليلي كوباية شاي بس على ما اكون اتوضيت وصليت وجهزت نفسي. ردت رغد التي أشرق وجهها لرؤيتها تترك تختها، الذي لازمته عدة أيام: ـ حلو خالص، بس أنا هحضر فطار وغصب عنك هتاكلي، مش هسمحلك تكسفيني زي كل مرة. أومأت اعتماد رأسها دون صوت في استسلام لها، وحتى تخفف عن شقيقتها التي تموت هلعاً من الخوف عليها، عكس الغير مبالية الأخرى والتي تتظاهر بالتضامن معها وهي في الحقيقة قد أصابها بعض الراحة لعدم تفوقها عليها بالزواج من رجل إصبعه فقط بعشرة من أمثال زوجها الفاسد. ـ "أختك ولا بنتها حد فيهم صاحي؟" هتفت مستفسرة من رغد التي كانت على وشك فتح الباب ومغادرة الغرفة، فردت المذكورة وهي تضع يدها على المقبض قبل فتحه والخروج، وقد فضحها بعض الحماس الذي يثير الريبة: ـ لا اطمني خالص، هي في سابع نومة دلوقت، يعني أنا وإنتي بس اللي هنفطر مع بعض بروقان وهدوء. ـ روقان وهدوء! غمغمت اعتماد في إثرها، بعد أن غادرت سريعاً من أمامها، لتضيف بسخرية: ـ وسعادة وراحة بال كمان! يعني هو الكلام بفلوس؟! ......................... وقفت بنصف الدرج تتابع نزول ابنها الذي دفعت به كي يوقظ زوجها الذي غفا على الأريكة الخشبية التي تتوسط مدخل المنزل. تلك الأريكة التي كانت تحتلها دائمًا في السابق مزيونة وابنتها. دارت الدائرة لتصبح مكانًا لنومه عليها. من كان يصدق أن ينقلب الحال إلى حال مختلف على الإطلاق؟ لقد استسلمت هذه المرة تاركة أمرها للقدر يفعل كيفما يريد، فهو نفسه أصبح لا يعنيها، بعد أن قطع كل أربطة المحبة بقسوته معها. فكانت النتيجة عكس ما توقعت وهيأت نفسها إليه. العروس التي جاءت بأقدامها إليها توعدها بليالٍ من الذل والقهر، ترد إليها ما كانت تفعله هي في ضرتها السابقة. اختفت فجأة في يوم زفافها إليه، لتتركه في حالة من الجنون لم تهدأ حتى الآن في بحثه عنها رغم مرور العديد من الأيام. لا تنكر أنها أشفقت عليه رغم اتهاماته وافترائه عليها بعد ذلك في أنها المتسببة لما حدث، بعمل سحر جعل العروس تطفش منه. جرحها وأهانها بافترائه عليها بهتانًا وزورًا، ولكنها لم تصرخ أو تتهمه بالجنون، بل لم تملك إلا الإنكار بصدق، لأن جريمتها السابقة هي من جعلتها في نظره محل شك. إذًا، عليها تحمل النتائج والصبر على جفائه كما نصحتها والدتها، ليس حبًا فيه ولكنها مضطرة من أجل الأبناء وتربيتهم. تنبهت حواسها حين استجاب لمحاولات ابنها أخيرًا معه، لينهض جالسًا بجذعه، فتراجعت هي للخلف في زاوية تمكنها من الاختفاء بعيدًا عن إبصاره، تكتفي بالإنصات: — عايز إيه يا وش البومة؟ بتصحيني ليه يا وَاد؟ زفر الصغير بملامح يعلوها العبوس يجيبه بتأفف هو الآخر: — يعني هكون عايز منك إيه على الصبح؟ عايز تكمل نوم روح على قوضتك، نومتك هنا على الكنبة وفي وش الباب كمان هتجيب لنا الكلام. فَرْض حد دخل علينا، هيقول عليك إيه لما يشوفك كده؟ — يقولوا اللي يقولوه يا بن الـ... انت إيه اللي يخصك؟ قابل الصغير سَبَّه بنوع من اللامبالاة: — يا سيدي أنت حر، نام إن شاء الله حتى في حوش البهايم، أنا مالي يا عم. ختم ينفض يديه عنه ليستدير متجهًا إلى باب الخروج، فهتف يوقفه: — واد يا ناصر، أمك هي اللي بعتاك صح؟ التفت إليه المذكور باستخفاف لاذع: — أمي ولا خالتي! مش عاجبك النومة في الطَّلّ وعلى الخشب القاسي، اعمل ما بدالك يا سيدي. أنهى وتابع مغادرًا ليغمغم في أثره عرفان بسخط وسباب: — آه يا بن الكلب، ترد الكلمة بكلمتين، ناقص عليك بس تِشتمني، رباية ناقصة زي اللي جابتك... بتعمل نفسها زينة دلوقت، وعايزة تطمن عليَّ، بعد ما خدت الخازوق والبلد تقريبًا كلها ضحكت واتمسخرت على عِرفان بعد هروب الغجرية ليلة فرحه عليَّها. توقف يزفر حريقًا من صدره، وقد استحضر عقله واقع ما يعيشه الآن نتيجة لذلك الأمر، ونظرات مهينة من البشر التي تواسيه نهارًا وتتحدث في ظهره ليلًا: — ماشي يا نورا، أنا وإنتي والزمن طويل. إن ما كنت أشرب من دمك وأخلي قصتك حكاية على لسان البشر... مبقاش أنا راجل، وشنبي ده يبقى على حرمة! ..................... داخل المنزل الكبير الذي كانت الحركة به مختلفة عن كل الايام الهادئة، لمناسبة غير عادية, خطط لها اليوم بثقة كاملة في زوجته التي سوف تقوم بها على أكمل وجه. ـ مزيونة، يا مزيونة نادى بأسمها ويده تحمل عدد من علب الحلوى والعديد من أنواع الفاكهة الطازجة. جاء الرد من والدته التي كانت تفترش الارض وبجوارها حزمة اعواد من نبات الملوخية تقرطف أوراقها وتضعهم في إناء كبير من الالمونيوم بجوارها ـ مالك بمزيونة ؟ لازم لسانك ينادي عليها وفي الروحة وفي الجاية؟ ضحك يضع ما يحمله على الطاولة التي تتوسط الردهة، ثم اقترب منها يغازلها بمشاكسة: ـ وماله لما انده عليها في الروحة وفي الجاية؟ بنده على حد غريب انا عشان اعمل حساب حد؟ ولا انتي عايزاني أبدل واقول حسنية، حسنية كان في الاخيرة قد افترش الأرض بجوارها، يضمها من كتفيها ويقبل خدها، لتصدح ضحكاتها الجميلة: ـ والله انت بكاش وعمرك ما هتكبر بعمايلك دي، قبلها من جانب رأسها هذه المرة يتحدث بامتنان جدي: ـ طول ما انتي عايشة عمري ما هكبر، هفضل ولدك الغلس، اللي ما يصدق لاقي فرصة عشان يتلزق فيكي. بادلته حسنية قبلته بواحدة على وجنته هو الاخر قائلة برضا وقد فهمت المغزى خلف لفتته: ـ وانا عمرك ما شوفتك غير ولدي الحنين ابو عقل صغير، اللي كان هيغير عليا حتى من أبوه ـ وه يا حسنية انتي لسة فاكرة؟ تمتم بها بتذمر زاد من تسلية المرأة التي صدحت ضحكتها مرة أخرى وهي تواصل مناكفته: ـ وتالت ورابع وخامس كمان، دا انا لو نسيت عمايلك وانت صغير افتكرها دلوك وانت شحط كبير وبتكررها مع ريان العيل الصغير، في غيرتك على مزيونة........ ـ هغير من ولدي امه، كلام ايه ده؟ عارضها يدعي الضيق، لتؤكد هي بتصميم: ـ ايوة يا خوي غاير، على العموم الحلوة اللي بتغير عليها, قاعدة جوا في المطبخ واكيد مشغولة في هم العزومة ومسمعتكش. سمع منها وهم ان ينهض ولكنها تابعت؛ لو جدع بقى ما تقومش حالا دلوك وتفر عليها زي العيل الصغير سمع منها وتردد لحظات حتى غلبته رغبته لينهض فجأة معارضا لها: ـ طب افرضي عايزاها في حاجة مهمة، دا انتي عليكي حركات يا حسنية، بقيتي عفريتة والله لما كبرتي وتحرك ذاهبا تتبعه ضحكات المرأة لا تتوقف وبخطوات متزنة اقترب من المطبخ الذي كانت قابعة به، ومنهمكة في إعداد مأدبة الطعام التي هم بصدد القيام بها اليوم، كانت مُنكَبَّة بتركيز شديد على تقطيع الخضروات، ويبدو أن صوت مزاحه مع والدته لم يصلها، ليستغل فرصته ويدلف متسللاً بخفة، حتى إذا وصل إليها تمتم بجوار أذنها: ـ الحلو اللي مدوبني... قطع جملته مضطراً حين شهقت مُجفَلة وتناثر عدد من الخضروات على الأرض. تمتمت بِلَهْث واضعة يدها على قلبها: ـ حرام عليك يا حمزة، كده برضه تخلعني؟ رد بتسلية وهو ينحني ليلتقط قطع الخضروات التي افترشت الأرض بسببه: ـ خَلْعة مَطْرودة يا قلب حمزة، على العموم ممكن تبقى بفايدة برضه على حسب عوايدنا ما بتقول. فهمت مغزى ما يقصده، لتجاريه بابتسامة مضطربة: ـ إن شاء الله، محدش عارف عاد، لما ربنا يكون رايد بالخلفة، بيدبّر الأسباب. المهم بقى، روح شوف وراك إيه؟ أنا عايزة أخلّص اللي ورايا قبل الضيف ما ييجي. استقام بجسده يعيد حبات الخضروات إلى مكانها قائلاً: ـ وافرضي طب الضيف وإحنا مش طابخين حتى، هو إنتي فاكراه غريب على بيتنا؟ ده ياما كل وشرب فيه، قبل ما يقطع فجأة ويشوف مستقبله. قطَّبت مندهشة وقد غلبها الفضول في السؤال: ـ وإيه اللي يخليه يقطع فجأة عن صحوبيتك بالسنين دي كلها حتى لو هيشوف مستقبله؟ طالعها لحظات بصمت وكأنه يبحث عن إجابة، حتى رد أخيراً: ـ يعني، تقدري تقولي كده خلاف حصل ما بينا، بس كان خلاف كبير شوية، أو شويتين تلاتة حتى. عادي بتحصل يعني، إحنا مش ملايكة، اسيبك تشوفي طبيخك واروح انا اطل على خليفة، يمكن ربنا يهديه ويفك من الحالة اللي هو فيها..... ...................... صعد إلى غرفة شقيقه الذي تسيطر عليه حالة من الاكتئاب الغريب هذه الأيام، ليطمئن عليه ويحاول معه، كما يفعل يوميًا هذه الأيام حتى يخرجه من ذلك الحزن، بعد أن باءت محاولاته بالفشل مع اعتماد التي تلتزم صمتًا غريبًا وابتعادًا غير مُبرَّر. لم يكن يعلم كيف تطورت الحالة من خطوبة مزيفة إلى شيء بهذا العمق، ولكن لِمَ التعجب؟ فكلاهما كانا في أشد الحاجة إلى بعضهما البعض. كان باب الغرفة مفتوحًا، ليتمكن من الدخول بسهولة، فدلف مُلقيًا التحية: * صباح الخير على أهل الخير. لم يَلقَ ردًا للتحية؛ فشقيقه لم يكن نائمًا على فراشه أو جالسًا حتى في الشرفة، فنادى هاتِفًا باسمه، ليأتيه الرد بحضوره هذه المرة خارجًا من مرحاض الغرفة: * أنا أهو يا سيدي، خليفة بذات نفسه. طالعه حمزة متفاجئًا بهيئته، وقد هذَّب لحيته ليُشرق وجهه الوسيم الذي تليق عليه، وبخطواته السريعة يتجه نحو خزانة ملابسه الخشبية الضخمة، يُخرج جلبابًا مُنَشَّى (مكويًا) ليرتديه، ليُعلِّق حمزة الذي أصابته الدهشة: * ما شاء الله عليك، شكلك مُختلف النهاردة، بس على فين العَزْم على الصُبح وبدري كده؟ رد خليفة الذي اتجه نحو المرآة لتمشيط شعره: * مِشوار مُهم لازم أعمله. بفراسة ليست غريبة عنه سأله حمزة: * المِشوار ده يخص اعتماد صح؟ واضح من الحماس اللي أنت فيه، هي فتحت تليفونها؟ نفى خليفة وهو ينحني ليلتقط الحذاء كي يرتديه: * لا مش هي، بس أختها رغد هي اللي بلغتني، إنها طلعت أخيرًا وراحت شغلها في المدرسة. نفسي أعرف سر قَلْبِتها المُفاجِئة، مش هسكت غير لما أعرف. أُعجِب حمزة بإصراره، ليُثني عليه بتحفيز: * جَدَع يا خليفة متستسلمش معاها، هي راسها ناشفة ومقفلة، بس أنت أكيد هتعرف تتعامل معاها. المهم بس متتأخرش على العزومة، الراجل بقاله سنين مدخلش البيت، أكيد هيسأل عليك. ألقى خليفة بالشال الصوفي على كتفيه، مُنهيًا اللمسة الأخيرة لتأنقه، يلتفت إلى شقيقه بابتسامة كانت غائبة عنه منذ أيام: * لا اطْمِن إن شاء الله مش هتأخر، ما هو كان صاحبي أنا كمان، مش صاحبك أنت لوحدك... أسيبك بقى. تابعه حمزة حتى إذا خرج من الغرفة، غمغم داعيًا له: * ربنا معاك وييسر لك أمرك. ................... أما في الطابق الأعلى، داخل شقة معاذ وليلى التي كانت تضحك بلا توقف في هذا الوقت مستمتعة بالحديث الذي يدور بين زوجها المجنون مع جنينها. وقد كان مُقرِّبًا وجهه من بطنها، يسرد بجدية بعد أن انزاح عن كاهلهما همُّ المذاكرة وكابوس الامتحانات التي تحرم عليهما حتى النوم بصورة طبيعية: * واخد بالك زين يا واد، أمك الهبلة أبوك وَقَّعها بشوية تين، ومن شجرتهم كمان! يعني حتى متعبتش في تمنهم... إيه بتقول إيه؟... أيوه يا سيدي، كان في شيكولاتة برضه والمرسال ما بينَّا كان عزوز... * بَسسس! قالتها بصوت بالكاد تمتلكه من فَرْط ضحكها، حتى وضعت يدها على بطنها تطالبه بجدية: * شوية تانية وهولِد يا معاذ، هتتحمل أنت الذنب. سمع منها فاستقام على الفور بجلسته مستجيبًا لتهديدها: * لا يا ستي وعلى إيه؟ الطيب أحسن، أنا بس كنت بوصيه، يِنزل بس وأكمِّل نصايحي معاه. * أوووعى! والنعمة لو فكرت وقلت له كلمة هزعل منك! قالتها تنهاه بتحذير رافعة السبابة أمام وجهه، فتناول إصبعها يُقبِّله: * وأنا مقدرش على زعلك يا أم الغالي. ارتخت عن تشدُّدها، فتابع مُوضحًا بمَعْسول كلماته: * بهزر معاكي يا مجنونة، هو أنا عبيط عشان أقولها بالطريقة دي؟ دي قصتنا هتبقى أحلى حكاية أحكيها للعِيَال عشان يعرفوا أن الحب العفيف ما فيش أعظم منه في الكون. ربنا يقدِّرني وأربيهم صح، عشان يعرفوا يُمَيِّزوا بين القشرة اللي بِرُخص التراب وبين الغالي اللي نضَّحي عشانه بروحنا، يا روح معاذ أنتِ. عادت إلى ليلى ابتسامتها، وغمرها الانتشاء بغزله، حتى استدركت لمرور الوقت فانتفضت تبعده عنها: * صحيح العزومة وصاحب عم حمزة، يا لهوي! زمانها داخلة على عشرة! خدتني في الحكاوي معاك ونسيتني. افتر فاهه بدهشة يُطالعها وهي تزحف على الفراش بركبتيها حتى أنزلت قدمًا، وبعدها قدمًا أخرى، لتأخذ وقتًا حتى استقامت بجسدها، ثم تحركت بخطوات بطيئة خطوتين، ثم تذكرت فجأة قائلة: * أدخل الحمام الأول وبعدها أنزل عشان أساعد أمي. خرج عن صمته وهو يُتابعها تُغيِّر مسارها: * حلو خالص! رُبع ساعة وأنتِ بتنزلي من السرير، ثم نُص ساعة في الحمام، وبعدها نُص ساعة ثانية على ما غيَّرتِ عَبايتك ونزلنا السلم. إن شاء الله بس نلحق الغدا! قال تساعد امها قال! .......................... أمام المرآة، كانت جالسة بـرِدائِها الحريري. يدها تلامس شعرها المنسدل على كتفها بتمهل، وعيناها مثبتتان على صورتها في الانعكاس. يعلو ملامحها شرود يرافقه برود وثقة تامة. لقد وردها منذ قليل الاتصال الذي أنبأها بقرب تحقيق هدفها، بعد أيام من الانتظار مرت دون جدوى. رغم خطورة الفكرة من الأساس، إلا أنها تجد المبرر الكافي كي تريح رأسها، وقد وعدت نفسها هذه المرة بعدم تكرار خسارتها مجددًا. لقد نُفّذ السهم ولا عودة للوراء أبدًا. اليوم هي في تفرغ تام لتلقي كل جديد، فحتى أطفالها ليسوا معها، وقد ذهبوا إلى منزل والدهم، بناء على طلب من جدتهم. .................... توقفت السيارة الغريبة أمام مدخل المنزل الذي وصل إليه بصعوبة، رغم معرفته الوثيقة به. هذا يعود إلى طول فترة الابتعاد والتغيرات التي طرأت على القرية التي هجرها تقريباً إثر خصامه مع حمزة. سنوات عديدة قادرة على طمس الهوية، وليس تصفية الخصام فقط. ربما لأنه كبر وتعقَّل عن تهوره، أو ربما كان السبب آخر، وهو تعرفه على زوجة حمزة الحالية التي لم تكن أبدًا من توقعاته. لم يُكلِّف نفسه بالسؤال، مع أن بإمكانه عمل تحريات كاملة عن الأسرة لو أراد طوال سنين ابتعاده عن المحافظة بأكملها، ولكنه لا يريد حتى لا يفتح جروحًا قديمة هو في غنى عنها. ومع ذلك، الفضول يقتله، ورغبة من داخله جعلته يتقبل دعوة حمزة للحضور بترحاب شديد. تنهد بثقل يترجل من السيارة فور أن انتبه لخروج الأخير لاستقباله أعلى درج المدخل، ومعه العزيزة والدته. يا الله، كم اشتاق إليها تلك المرأة الحنون! أغلق باب السيارة ليتقدم نحو الاثنين بهيبته، ليُذهل المرأة التي لم تعرفه في البداية حتى همس إليها حمزة يؤكد على هويته. الأمر الذي جعلها تصدق هذه المرة باقترابه منها وابتسامة ذكرتها بالولد الذي كانت تعتبره ابنها، لتهلل في استقباله بحرارة: ـ بسم الله تبارك الله، كمال باشا بحاله عندنا يا ولاد؟ يا حلاوة يا حلاوة. ضحك المذكور وهو يقترب يُقبّل رأسها: ـ زي ما أنتِ يا ست، ما اتغيرتيش؟ دا ابنك نفسه كبر وعجز. ما شاء الله عليكي، إيه الحلاوة دي؟ جذبته حسنية إليها تُقبّل وجنته بسجيتها: ـ دا انت اللي بدر منور يا حضرة الظابط يا قمر. ـ يا ستي رائد والله، افهمي بقى، كام مرة هقولها؟ قالها حمزة وهو يقرب صديقه إليه لينال نصيبه من ترحيبه بعناق رجولي ومودة صادقة، وكأن كل ما مر من سنوات جفاء وخصام لم يؤثر على صداقتهما. فعارضه. كمال : ـ سيبها تناديني يا ولا حتى، أنت مالك يا أخي؟ انتشت حسنية تعقب على قوله وهي تسحبه من يده: "أيوة يا حبيبي، ولدي وربنا العالم. تعالَ ادخل، تعالَ." همَّ أن يستجيب لسحبها، ولكن استوقفه زوج من الصغيرات اللواتي كنَّ يشاهدنه بانبهار، حتى شعر نحوهنَّ بألفة غريبة وكأنه يعرفهن: ـ بسم الله ما شاء الله، القمامير دول بناتك يا حمزة؟ لم يُجبه الأخير، وقد تكفلت والدته بالإجابة: ـ دول بنات خليفة، مِنة وجنا. هو في مشوار وزمانه على وصول. ـ مِنة وجنا... ردد الأسماء، وامتدت كفّه لتصافح الصغيرتين، حتى اعتلى تعابيره شيء من الدهشة مع تركيزه في صورة الأولى التي تقارب الملامح التي يحفظها في رأسه، يشعر بشيء غير مفهوم. شكُّه ازداد مع مجيء زوجة حمزة، تسحب في يدها ريان الصغير، والذي قدمه إليه حمزة على أنه ابنه. ينتابه شيء من التشتت، يجعله يندم بالفعل أنه لم يسأل ويُجرِ تحرياته. مَن تزوجت؟ تلك التي كانت سببًا في تغير مسار مستقبله وخصامه مع أعز أصدقائه. ................... يتأفف ضجرًا وكمدًا وغيظًا داخل سيارة الأجرة التي تقطع المنحدرات الصعبة في طريقها إلى تلك البلدة التي جاءها مختبئًا فيما سبق، والآن يأتي إليها مجبورا من أجل... إنه حتى لا يحتمل التلفظ باسمها، وقد أصبح الآن بسببها متورطًا في شيء لا يعجبه على الإطلاق، قد يؤدي به إلى داهية سوداء، أو ربما هلاكه... ولكن لم يكن لديه اختيار. زفر حريقًا من صدره، يستعيد برأسه ذكرى تلك الليلة حين جاء متأخرًا إلى منزله، بعد السهرة الطويلة التي قضاها في شرب الخمر والممنوعات مع عرفان الذي كان يحتفل بمناسبة زواجه في اليوم التالي. برأس مُثقَل وخطوات غير متزنة ومُترنّحة، هذا ما يفعله الخمر برأسه. بعض الاضطراب البسيط لكن لا يزيد على ذلك، فهو مُعتاد على كل الممنوعات. منزله الصغير غير المُرتب، نتيجة سُكنه وحده، لا شيء في مكانه، ولا يعنيه حتى إن كان نظيفًا أم لا. لكن اليوم به شيء غريب، شيء أصبح ينتبه له أثناء ما كان يُدندن بإحدى الأغنيات التي كانت تتردد في هذا المساء من المُغنّي على آلة الربابة: ـ "ويا بت جمالك هَبشني، والهبشة جت في العباية، رمان خدك دَوّشني، خلّى فِطاري عِشاي، آه يا عيني، يا عيني، يا عيني آه، ..... آه يا عيني، يا عيني، يا عيني......" توقف عن الغناء فجأة وعيناه تتفحّصان ما تراه أمامهما، حتى أصبح يفرك كفيه على عينيه ليتأكد أنه لا يهذي، ولكن وما أن يعود ويفتحهما مجددًا، حتى يُفاجأ بنفس المشهد...... هي، وليس غيرها.... ـ أنتِ عفريت ولا خيال؟ خرجت كلماته بعفوية وبدون تفكير، فجاءه الرد منها وهي تتراقص كتفاها بدلال: ـ لا يا حبيبي أنا جنية البحر. ما إن سمع صوتها وتأكد من هويتها حتى بَرَقَتْ عيناه مُتسعتين على آخرهما، يطالعها مُتجمدًا فاقد النطق لحظات بفم مفتوح، حتى استطاع أن يتكلم: ـ يخرب بيت أبوكي، وأنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ودخلتي بيتي كيف؟ راوغت كعادتها لتتقدم خطوتين من أمامه حتى جلست على الكرسي المواجه له قائلة: ـ وِه يا سي عطوة، دي مقابلة تقابلني بيها برضو، دا المثل بيقول: "لاقيني ولا تغديني" اخص عليك...... قَطعت بشهقة عالية بدت كالصرخة حين تفاجأت به يقبض على ساعدها يُنهضها عُنوة، والشرر كاد أن يتطاير من عينيه، وشفتاه ترتجفان من فرط الغيظ المكتوم، مرددًا: ـ أمور الاستهبال دي ما تخُشّش عليا يا بت، أنا لافف وداير: ـ انطقي يا بت وقولي دخلتي هنا إزاي؟ لأبلّغ عنك العُمدة دلوقت يبعت الغفر يسحبوكي من قفاكي ويعملولك فضيحة، ولا أكلم خطيب الهنا أحسن، ييجي يلمّ المرة اللي هيكتب عليها بعد ساعات. واجهته بتحدٍ غير آبهة بألم ساعدها: ـ وماله اعملها فضيحة، وفي الحالتين أنا المستفادة، لو جبت العمدة والغفر، هقول إن أنت اللي كنت عايز تغويني، وأنا لما رفضت أصريت تاذيني في سُمعتي. أما بقى لو جبت عرفان، فدي هتبقى أحلى وأحلى، هخليه برضو يقتنع ببراءتي على حساب أخلاقك الزفت، لما أوريه صورة مرته اللي بيحلم صاحبه الخاين... اشتدّت قبضته أضعافًا حتى شعرت بها على وشك الكسر، ومع ذلك الألم، تراقب رد فعله العنيف، وقد برزت عروق جبهته وكأنها حبال مشدودة، يتحدث ضاغطًا على أسنانه: ـ أنا فاض بيا منك وقرفت، عايزة إيه من الآخر قولي.... صرخ بالأخيرة حتى صدر منه بعض الرذاذ على وجهها، فمسحت بإبهام يدها الحرة تجيبه بهدوء: ـ عرفان مقفّل مداخل ومخارج البلد برجالة من طرفه، وأنا مش عايزاه، الموت عُندي أهوَن من ان أتجوّزو، لكنه واخد وصولات أمانة على أبويا، يعني فيها حَبس. ـ وجاية لي أنا أهبب لك إيه الله يخرب بيت أبوكي؟ رققت صوتها بنعومة: ـ تنجدني يا سي عطوة، تشوف لي أي طريقة أبعد فيها عن وشه العفش. هذه المرأة تنوي بالفعل على قتله. ـ أنتِ مجنونةةة! صرخ بها شاعراً ببوادر لإصابة بجلطة دماغية أو شلل رباعي يصيبه؛ ـ يا بت أنا ما عنديش مرارة ليكي، يعني أخلّص عليكي أريح لي من شغل "حَلَق حوش" اللي بتعمليه معايا ده، هي حتة صورة وبتاعتي، فاكرة نفسك هتشتريني بيها؟! ـ خُدها يا سيدي. قالت جملتها، ويدها تدخل في جيب صدرها تُخرج الصورة وتضعها في يده، ليتركها على الفور شاعراً ببعض التشتت حين رآها تسقط على الكرسي، غارقة في نوبة من البكاء: ـ حتى أبويا وأهلي قلبهم عليّ، عمالة أصرخ فيهم وأقول مش طايقاه، وهما ما فيش فايدة، كلهم ما صدّقوا، مفكرينه هيغْرَف ويدّيهم، مش هامّهم إن كنت أتحمله ولا لاء، أنا حُرمة زي باقي الحريم، نفسي استريح وأتستّر، لكن مع واحد عرفان! تيجي إزاي دي؟ لا يُنكر أن بكاءها أثّر به، وجعله يتعاطف معها، وهو في الأساس غير مُتقبّل لزواجها من ذلك الثور المُستغل لحوائج البشر حتى ينال مُراده. بها شيء ما ذكّره بمزيونة، عُقدة حياته، والتي لو انتظرت فقط حتى تكمل السن العادي لفتيات القرية في الزواج، كانت ستكون من نصيبه حتمًا، ولكن عرفان استغل حاجة أهلها للمال كما يفعل الآن مع نورا وأهلها. عند خاطره الأخير، انتفض فجأة، مُتخذًا القرار الذي سوف يندم عليه بعد ذلك وربما كان السبب في هلاكه في المستقبل: ـ اسمعي يا بت، أنا هساعدك تهربي، لكن تغوري بعدها في أي مصيبة بعيد عن هنا. وبالفعل ساعدها في الهروب سليمة من البلدة، ولكنها لم تبتعد..... ..................... بحث عنها داخل المدرسة التي تعمل بها حتى وجدها أخيرًا في ركن مُنزوٍ هادئ خلف أحد المباني، تظلل عليها شجرة كبيرة. كانت جالسة أسفلها مكتّفة الذراعين بشرود، وفنجان القهوة الذي أعدته بجوارها ساخنًا. عيناها تنظران إلى السماء، حتى أنها لم تنتبه لحضوره سوى بعد فترة من مراقبته لها، وقد كان واقفًا بالقرب منها تمامًا يتأمل ملامحها الحزينة بصمت موجع، يريد معرفة السبب خلف ما أوصلها إلى تلك الحالة. وقد عادت إليه الشراسة الآن لتوبخه: ـ حضرتك مينفعش اللي أنت بتعمله ده؟ أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً؟ زفر بحنق ليتغاضى عن جلافتها معه، وتناول كرسيًا خشبيًا يقرّبه حتى يجلس مقابلًا لها، قائلًا بتحدٍ: ـ حضرتي أعمل اللي أنا عايزه، مدام حضرتك مش مريحاني ومطلعة عيني في اللف وراكي، أنا عايز أعرف بالظبط إيه اللي صايبك يا اعتماد؟ صمتت لحظات تطالعه بتردد امتزج بدهشتها من إصراره، حتى ردت: ـ أنا مش فاهمة إيه لزوم السؤال من أصله؟ قولتلك إن تمثيلية الخطوبة دي خلصت خلاص، يا ريت أنت كمان تقتنع، عشان نخلص بقى من الربطة السودا والكلام والحديت. ضايقه الوصف، ولكنه مضطر للصبر عليها ليصل إلى ما يريده: ـ بس أنا ما عنديش استعداد أقتنع يا اعتماد عشان عايزك بالفعل، وكل عمايلك معايا بتخليني أتمسك بيكي أكتر، حتى لو أنكرتي وادَّعيتي العكس. انتابها الارتباك تأثرًا بقوله ونظرته الدافئة، القادرة على سحق مقاومتها لطوفان المشاعر التي تغمرها بحضوره. بحثت برأسها عن مهرب من عينيه، لتجد سلوتها في الارتشاف من فنجان القهوة الذي أعدته لنفسها تدَّعي لامبالاة مكشوفة: ـ أنا شايفة إن الأمر اتطور معاك لدرجة خلتك تتوهم إني فعلًا ميّالة لك. من رأيي يا أستاذ خليفة تحاول تطلع الفكرة دي من راسك، عشان تقطع على نفسك طريق الوهم. ردد خليفة بتصميم: ـ بس أنا ما عنديش نية أشيلها من راسي، لأنه أساسًا معشَّش في قلبي، للمرة المليون بقولهالك، أنا رايدك يا اعتماد، رايدك في حلال ربنا. بماذا تفسر هذا الاضطراب الذي يكتسحها من سحر كلماته؟ جسدها بأكمله يهتز برد فعل غريب عنها، يعيد عليها مرة أخرى نيَّتَهُ زواجها منه رغم رفضه، يُشعرها بأنها امرأة ومرغوبة من رجل مثله، رجل هو المثال الحي لكل الصفات التي تحلم بها، رجل... مهلًا ما هذا الذي يحدث معها؟ اهتز الفنجان الذي ترتشف منه بصورة مفاجئة وارتعشت يدها، تشعر بدوار خفيف، وصداع بدأ ينخر في رأسها. تضع الفنجان ببطء وبصعوبة على الأريكة بجوارها، فتحاول أن تتصرف بصورة طبيعية، تهم بالرد عليه، ولكن فجأة اتسعت حدقة عينيها، وتجمَّد الدم في عروقها. تشعر باختناق مفاجئ، ولسانها يلتوي، تتسارع أنفاسها وهي تخرج الكلمة بصعوبة، صوتها أشبه بالهمس. منادية باسمه: ـ خليفة أنا... قُطعت لعدم قدرتها على الاستكمال، لينتبه هو لحالتها ويصيبه الهلع مع رؤية وجهها الذي شحب لونه، وعيناها تجمَّدتا. ليقترب منها يسألها بقلق بالغ: اعتماد مالك؟ لم تُجب وكأنها فقدت القدرة على النطق، وبدأ خليفة يتقدم نحوها بخطوات سريعة، وبدأ جسدها بالارتعاش بشكل لا إرادي، فحاولت أن تقف ولكنها فقدت توازنها. "اعتماد!" صرخ بها قبل أن تسقط بين ذراعيه، جسدها ارتخى، في استعداد للغياب عن الوعي. وبدون تفكير حملها بوجع ارتسم عليه الرعب واليأس، وهو ما زال يردد في النداء عليها ليأتي ردها العنيد رغم تعبها الشديد تعارضه بصوت بالكاد يخرج: ـ أنت بتعمل إيه؟ نزلني... نزلني الناس... النااااا... تضاعف الهلع داخله، ليُهرول بأقدام عرفت طريقها نحو باب الخروج، أو نحو أول صنف بشر يقابله، يصرخ طالبًا المساعدة: ـ حد يفتح البوابة، ولا يلحقنا بسرعة بالعربية، اعتماد بتضيع مني، بسرعةةةة! .... يتبع