لأجلها بقلم امل نصر ج٩

ليظهر فجأة أمامها الآن وهي في الجزء الفاصل بين الطابقين، حتى كادت أن تصطدم به، وكأن المشهد القديم يُعاد معها ثانية، إلا أنها هذه المرة تداركت سريعًا لتعود إلى الخلف مرتدّة عنه بحرج، فعلّق هو ضاحكًا:
ـ المرة اللي فاتت راح فيها التلفون بتاعك، المرة دي قلبي اللي كان هيروح فيها.
ـ بعد الشر على قلبك.
صدرت منها بتلقائية جعلته يتوقف عن الضحك مستمتعًا بخجلها، يـُشاكسها:
ـ الأبلة اعتماد بحالها النهاردة مشرّفانا بحضورها بعد غياب! ده باينه يوم سعدي.
ردّت بامتنان على مجاملته، تتصنّع الاتزان رغم الصخب الدائر داخلها كأجواء المهرجان ابتهاجًا بكلماته:
ـ تشكر يا سيدي على ذوقك، بس أنا جيت النهاردة أزور مزيونة وبالمَرّة أباركلها على الحمل.
ذهبت عيناه نحو الطابق المذكور ليعود إليها قائلًا:
ـ عقبالنا.
نظرت إليه باستفسار، فتابع يوضح بالمزيد:
ـ أنا كمان متلهّف قوي على أي عيل منك، وأتمنى اليوم ده يبقى النهاردة مش بكرة.
برقت عيناها بذهول أمام جرأة الحديث الذي تسمعه لأول مرة منه، تستوعب فحواه، فانتفضت تهرول من أمامه بارتباك:
ـ طب… طب أنا ماشية بقى عن إذنك.
تصدّر أمامها يوقفها:
ـ استني يا اعتماد.
ـ نعم؟
تأمل بها يُشبع عينيه من رقّتها التي كانت متخفية خلف قناع الشراسة وسلاطة اللسان، ليراها الآن على حقيقتها؛ كالزهرة التي تفتحت حديثًا، تأسر عينيه للنظر إليها، والراحة تتغلغل داخله، لا يريد أن يتركها أبدًا.
إلا أنها تذمّرت تطالعه بتساؤل، جعله يعود لمشاكستها:
― ياريت لما أتصل النهاردة المسا تردّي عليّا. حاولي تتخلي عن عادة المدرسين في النوم بدري، ممكن؟ اتعلمي السهر شوية يا اعتماد.
لم تجد صوتها، وقد لفّها الخجل بشدة، لتومئ إليه بارتباك، ثم تكمل طريقها سريعًا في النزول مهرولة حتى خشي عليها من الوقوع:
ـ بالراحة لا توقعي.
لتغمغم هي داخلها:
ـ على أساس إني لسه ما وقعتش؟ يخرب مطنك يا خليفة، كنك مش ساهل واصل.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
مساءً
وقد غفت كل السجينات في ذلك الوقت المتأخر من الليل، خرجت هي من زنزانتها متجهة إلى المرحاض العام في المبنى، بصحبة زكية التي تنفّذ كل رغباتها مقابل المال، بعيدًا عن ذلك المرحاض “القذر” كما تسميه، الخاص بغرفة الحجز، والذي تَقرف حتى أن تمر بجواره.
