لأجلها بقلم امل نصر ج٩

ضيّق عينيه يحدّق بها بتفكير، قبل أن يخرج رده في سؤال لها:
ـ هالة… إنتِ في حاجة مخبّياها؟
صمتت دون أن تحيد ببصرها عنه. انتظر ردّها فلم يجد ما يُخمد حيرته. بها شيء غير مفهوم؛ لو لم يكن قد أمسك بالدليل بيده لصدقها… ولكنها…! لماذا لا تتكلم؟
ـ هالة، لو عندِك حاجة قوليها. السكوت دا غريب منك، وفي نفس الوقت يبرجل العقل.
تجاهلت إلحاحه وسألته بدلًا منه:
ـ البنات عاملين إيه صحيح؟ جنى رجعلها الدور تاني؟
تنهد بيأس من مراوغتها، لكنه لا يملك إلا أن يجيب:
ـ لاه، الحمد لله. جنى خفّت وما تعبتش تاني. اطمني عليهم، وما تقلقيش. أنا مراعيهم لحد ما تطلعي لهم بالسلامة إن شاء الله.
ـ اعتماد بترعاهم معاك، صح؟
قالتها بابتسامة أثارت استفزازه، قبل أن تتابع:
ـ على العموم… الله يهنّي سعيد بسعيدة. هي كانت بيعة خسرانة من الأول.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
دخلت زنزانتها الموحشة التي تضم عددًا من النساء التي لا تطيق النظر إليهن، لكنها مُجبرة على معاشرتهن بفضل هذا الوضع المفروض عليها.
ولسوء حظّها وجدت تلك المرأة تجلس بين مجموعة منهن بعد قضاء ليلتها في الحبس الانفرادي. توقفت المرأة عن الحديث، وطالعتها بحقد شديد نتيجة ما أصابها بسببها. فردّت لها نظرتها بتعالٍ، رغم الخوف الذي تسلّل إليها من ناحيتها؛ فما تراه من غضب لا يُبشّر بالخير.
— تعالي هنا يا هالة.
كان هذا صوت “الريّسة” كما تناديها؛ المرأة التي تجد عندها الحماية منذ دخولها هنا. أشارت لها إلى الجزء الفارغ على المصطبة الأسمنتية بجوارها، فاتّجهت هالة نحوها تُهرول لتجلس في منطقة الأمان بقربها. فقالت لها:
— هي البت دي طلعت من الانفرادي ليه؟ حقّهم كانوا يقعدوها أسبوعين.
ألقت المرأة نظرة بطرف عينها نحو “نوسة” المتحفّزة، الجالسة وسط الفتيات، ثم عادت تحدّث هالة بحذر:
— خدي بالك… وطّي صوتك وإنتِ بتتكلمي. نوسة بتبُصّ عليكي وعينيها بتطق شرار. يعني تلاقيها مستنيّة الفرصة عشان تفشّ غليلها فيكي.
ـ طب تقدر تعملها بس؟ دا أنا كنت أودّيها ورا الشمس وما أخليهاش تشوف الضي تاني.
ردت الريّسة بنبرة تحذيرية شديدة:
ـ ما تهدي يا بت… وبطّلي عنجهيتك الفارغة دي.
تفاجأت هالة من حدّتها ثم فهمت مقصدها حين تابعت:
ـ افهمي بقى… مش كل الناس هتتقبّل أسلوبك دا ولا هتكبّر دماغها منه. اللي زي نوسة، تقريبًا ربنا حارمها من كل حاجة إلا الصحة اللي تهِدّ بيها جبال. دي اتربّت في ملجأ، ونص حياتها الباقية في الشارع. أكل عيشها ييجي من أي حاجة… برضاها أو من غير رضاها.
