لأجلها بقلم امل نصر ج٢ من الفصول

تنهد وسحب أنفاسًا عميقة، ليهدّئ قليلًا من وتيرة انفعاله، ثم أخرج الهاتف من جيب سترته، وهاتف من يعرف أنها ستسمعه:
– إيوه يا منى، عايز أحكي معاكي شوية… مخنوق.
وهكذا، مرّت الأيام بين مدّ وجزر، شعور من الفرح يحلق به إلى أعالي السماء، وآخر من الإحباط يُسقط به مكسور الجناح. حتى جاء ذلك اليوم المميز لأهالي البلدة……
………………………….
بعد مرور شهر وفي منزل حماد القناوي، حيث الاستعدادات لليلة الختامية لمزار البلدة، والذي يتم الاحتفال به كل عام على مدار ثلاثة أيام، تُذبح الذبائح ويُطعم الجميع، وتُقام ليالي الذكر وسباقات الخيل (المرماح). يتحمل التكاليف كبار الأغنياء، ومن استطاع التبرع من باقي الأهالي فلا يُضر، فالغاية أن يفرح الجميع. وبما أن منزل حماد القناوي من كبار الداعمين، فمعظم احتياجات الحفل والطعام تخرج منه.
أما عن معاذ، فقد كان في هذا الوقت يُطعم الحصان وينظفه بحماس شديد أثناء حديثه مع والدته:
– ليلى هتيجي المرماح النهارده يا أم حمزة، يعني هتتفرج عليا وأنا في السباق وبرقص ع الحصان. الليلة هتبجى أحلى ليلة تمر على ولدك يا ست الكل. ضحكت حسنية وضربت كفًا بكف معلقة: – يا خويا ربنا يفرّحك على طول، هو أنا هكره؟ على الله بس يهدي أمها وترضى تجوزهالك، بدل ما تفضل كده معلَّق وراها بالسنين. – ووه يا أمه، ما تفوّليش في وشي. ده أنا مستني السنة دي تعدي على نار، وأول ما تمسك شهادتها في يدها، هاروح لمزيونة وأعملها ميت لو ما ادتنيش البت.
قالها معاذ بانفعال وهو يجهز الحصان ليعتليه، مما أغضب والدته، فأنهته قائلة:
– طب بطّل خربيط في الكلام، واهمد كده، كل حاجة تاجي بالصبر. ضرب بأقدامه على الأرض بعصبية: – أصبر ده إيه يا أمه؟ بجولك ع تجن على البت! ما تحسوا بيا يا جدعان باه.
جلجلت ضحكة المرأة في الحديقة حتى لفتت أنظار تلك التي كانت في الشرفة، فأعطت تركيزها التام لهما، مما أثار حنق معاذ، فنبه حسنية:
– طب أرجع أجولك تاني، خلي بالك، مرت ولدك ناكتة عينها علينا وأكيد هتحاول تجرجرك في الكلام، عارفها، هتموت وتعرف اللي فيها. خَطفت حسنية نظرة عابرة نحوها، وأومأت بقلة حيلة: – أجولها ولا ما أجولهاش عاد؟ ما هو كل حاجة نصيب. ربنا العالم، أنا كنت رايدة إسراء أكتر منها، بتنا اللي مربّينها وعلى الأقل جاهزة، لكن بقى، إنت غاوي تعب، أعملك إيه؟ ضحك وهو يستقر على حصانه مرددًا: – أديكي جولتيها بنفسك: غاوي تعب، والغاوي محدش يلوم عليه. ادعيلي بس ربنا يوفقني ويقرب المسافة.